أنتَ طالق

حلى جبّاوي –

منذ الجاهليّة، كانت المرأة تُعْتَبَرُ عارًا وكانتِ الفتاةُ عند ولادَتِها تُدْفَنُ حيّةً لاعتبارها كائنًا من شأنه أن يلوّث البيت! جاء الإسلام بعد هذا الاستبداد والظّلم لإصلاح وضع المرأة فلم يكتفِ بإعطائها حقوقها وحسب بل ميّزها عن الرّجل في كثير من الأحيان، فاعتبر الفتاة عند ولادتها حسنةً وريحانة حلّت على البيت وباركته .

تثير هذه الفكرةُ دهشة البعض، وذلك يعود إلى الإشاعات المتداولة والأفكار المُسْبَقة حول المرأة في الإسلام وكيف أنّها مستضعفة من قِبَلِ الشّرع، خاصّةً في حالة الطّلاق .

هنا تتعدّد الأسئلة : هل المرأة فعلاً مستضعفة في الدّين الإسلامي؟ هل لها الحقّ في طلب الطّلاق؟ هل تتمتّع بحقّ حضانة أولادها؟

الطّلاق في الإسلام مُكرَه، أي أنّه يُعْتَبَرُ كارثةً تؤدّي من ناحيةٍ إلى زعزعة البنية النّفسيّة لدى الأولاد ومن ناحيةٍ أخرى إلى التّأثير في نفسيّة المرأة وحظوظها في الحياة، وذلك بسبب الرّجعيّة الفكرية الّتي تخضع لها في مجتمعنا الشرّقي حيث أنَّ طلاقها يُعتبر للأسف بمثابةِ تذكرتها إلى العنوسة .

غير أنَّ الإسلامَ دحضَ بقوّةٍ هذه الفكرة إذ تزوّجَ النبيُّ محمّد عليه الصّلاة والسّلام من امرأةٍ مطلّقةٍ وشكَّلَ أسوةً لغيره . وها نحن في عصر الألفيّة الثّالثة، لم نتمكّن من التخلّص من أفكارنا الضّيّقة الأفق خوفاً من التّحضّر .

المبدأ هو أنّ الطلاقَ في يد الرّجل. قد تبدو هذه القاعدة بحدِّ ذاتها ظالمةً، غيرَ أنَّ أساسَها وتفسيرَها يُشكّلان تبريراً كافياً لها ويوضِحان أسُسَ تطبيقها فقد فرضَها الشرع لأنّه اعتَبر أنّ الرّجلَ يتحكّمُ بعواطفِهِ أكثر من المرأة .

أمّا بالنّسبة لأسس تطبيق هذه القاعدة، فلا يجبُ تفسيرُها انطلاقاً من منظور ضيّق، فالمرأة يحقّ لها طلبُ الطلاق في حالات عديدة ؛ بما أنّ الزّواج في الإسلام عقدٌ، يحقّ للمرأة في حال اكتشافِ عيوبٍ ما في الرّجل بعد الزّواج، طلبُ فسخ هذا العقد خاصّةً في الحالات الطارئة كجنون أو فقدان عقل الزّوج، فقدانها لحقوقها الزّوجية أو تقصير الرّجل في واجباته المنزليّة سواء تجاه المرأة أو الأولاد . كذلك يحقّ لها طلبُ الطلاق في حال عدم الانسجام، الخلاف المتواصل بين الزّوجين، الظّلم الّذي قد يجلِبُ أذيّةً نفسيّةً أو جسديّةً، شذوذ الرّجل بجميع أشكاله، خيانته لزوجته، الزّواج من أخرى و أيّ سببٍ آخر من شأنه جعلُ الحياة بين الزّوجين مؤلمةً وغيرَ ممكنة .

في إحدى هذه الحالات، يحقّ للمرأةِ أن تطلبَ الطلاقَ من زوجها الّذي يتوجّبُ عليه، عند استنفاذِ جميع طرق المصالحة والإصلاح، أن يُلبّيَ طلبَها، وهذا ما نصَّ عليه الشرعُ الإسلاميّ في القرآن الكريم.

إلّا أنّه في الواقع قد يرفضُ الزوّجُ منحَها الطلاق، عندها تلجأ المرأةُ  للقاضي الشّرعي الّذي ينظرُ في الوقائع، وبعد التّأكّدِ من استحالةِ الإصلاح والعدول عن فكرة الانفصال، يُصدر قرارًا بالطلاق مُلزماً للطرفين .

يشترط الفقه الشّيعي الإماميّ وجودَ شاهدين عدليّين، أن تكون الزوجة طاهرةً في الحيض، كذلك على الرجّل أن يكون بكامل وعيه وإلّا اعتُبرَ الطلاقُ كأنّه لم يَكُنْ وتبقى العلاقة الأسَريّة قائمة . وضعَ الإسلامُ جميعَ هذه العوائق أمام الزوجين لتبطئةِ معاملة الطلاق وإعطاءِ الوقت الكافي للزّوجين للتفكير وتجنّبِ الانفصال لسببٍ غير وجيهٍ كما تجدرُ الإشارةُ إلى أنّ الرجلَ لا يحقّ له التَّعسفُ في استعمالِ حقّهِ بتطليق زوجتِهِ من دون فاحشةٍ مبيّنةٍ من قِبَلِها عملاً بقول من حديث الرّسول:  » ما زال جبريل يوصي بالمرأة حتى ظننت أنّه لا ينبغي طلاقُها إلاّ من فاحشةٍ مبيّنةٍ « .

أيضا ألقى الشّرع أمام الزّوج حاجزًا آخر هو القاعدة الّتي لا تسمح له بالزّواج من زوجته السّابقة بعد تطليقها ثلاث مرّات إلّا بعد أن تكون قد تزوّجت من آخر وتطلّقت منه، ما يشكّلُ عقاباً للزوج وللزّوجة في حال تعسّفا في استعمال حقّيهما بالطلاق .

بعد الطلاق، تحصل المرأة على المُؤخّر والنّفقة المُتَّفق عليهما قبل الزّواج، بمثابة ضمانةٍ وتكريم لها حرصًا على مستقبلها وتأمين حاجاتِها بعد الطلاق . كذلك لها الحقّ في كلِّ ما تملك أصلًا وكلِّ ما حصلت عليه نتيجة عملها إذا ما كانت سيّدة عاملة .

 

ماذا عن حقّ المرأة بالحضانة ؟

كان المبدأ أنّ المرأةَ يحقّ لها حضانة الذّكر حتى عمر السّنتين والأنثى حتى عمر السّبع سنوات إلّا أنّ سماحة السّيد محمد حسين فضل الله رحمه الله ، أفتى بإعطاء المرأة حقّ حضانة  الذكر والأنثى حتّى عمر السّبع سنوات على حدٍّ سواء وذلك لأنّ الأولاد في هذا العمر يحتاجون لحنان الأمّ ورعايتها بشكلٍ متواصل. من بعدها يرجعُ حقُّ الحضانة للأب، وفي جميع الحالات يجب على الوالد أن يدفعَ نفقة الأولاد وجميع المصاريف المتعلّقة بتربيتهم وأن يتحمّل كامل مسؤوليّاتهم باعتباره وليَّ أمرهم .

فرضَ الشرعُ أن تتمّ أمور الحضانة بالمعروف والتّفاهم و الوعي وذلك حرصًا على نفسيّة الأولاد وللتّخفيف من آثار الطلاق السّلبيّة في ظلٍّ أبويٍّ يحضنهم .

كما وينصّ الشّرع على واجب الأمّ بالاستمرار بالتواصل مع الأولاد بعد انتقال الحضانة للأب، ومن المستحبّ في هذا الإطار أن يتمّ الاتّفاق بين الزوجين المطلّقين على لقاءاتٍ عديدةٍ بين الأم و أولادها في الأسبوع الواحد .

غير أنّ الواقع يولّد خلافاتٍ ما دفعَ الشرعَ إلى نصِّ وجوبِ رؤيةِ الأمّ للأولاد مرّةً في الأسبوع على الأقل .

إنّ حضانة الأمّ أو الأب غيرُ مُطلقةٍ أي أنّها قد تسقط في عدّة حالات :

الخشيةُ على الولد من الأب أو الأم في حال اقتراف الفواحش من أحدهما، الإساءةُ للأولاد بأيّ شكلٍ من الأشكال وغيرها من الحالات الّتي قد تُضِرّ بمصلحةِ الولد . كما أنَّ حضانةَ الأمّ قد تسقط في حال تزوّجت مرّةً أخرى خلال فترة حضانتها للأولاد، وذلك لاعتبار وجود رجلٍ جديدٍ في حياة الأطفال في هذا العمر الصغير قد يؤثّرُ على صورة أبيهم الحقيقي .

للنّساء اللّواتي يُظلمْنَ من قِبَل أزواجهنَّ، لتلك اللّواتي يُساءُ لَهُنَّ، لتلك اللّواتي يُعَنَّفنَ جسديًّا و نفسيًّا، لتلك اللّواتي يتعرّضْنَ لشتّى أنواع الإنحراف … تحت عنوان الإسلام، أقول لَهُنَّ : هذا ليس الإسلام !

لَكُنَّ كلّ الحقّ في الرّفض، لَكُنَّ كلّ الحقّ في الطلاق، لَكُنَّ كلّ الحقّ في التواصل مع أولادكنَّ، لَكُنَّ كلّ الحقّ في إسقاط حضانة الأب إذا ما توجّب الأمر .    لم يَعُد في عصرِنا هذا مكانٌ للظُّلم  والإستبداد .

لا تُعالجنَ الموضوع بالتّخلّي عن الدين بل عالِجْنَهُ بالتّعرف عليه و تطبيقه . وهنا سوف أخرج عن نطاق الإسلام لأتوجّه إلى جميع نساء العالم : ليس هنالك من دينٍ يشرّعُ تعاستكنَّ .

نحن كنساءٍ لنا الحقّ في العيش الكريم والمساواة التّامة مع الرّجال . ففي زمنِ المعرفة والمساواة، لم يعد هنالك مكان للجهل … من هي الجاهلة التي ما زالت تُؤمِنُ بأنّ سرقةَ حقوقِها أمرٌ مشروعٌ ومقبولٌ في الدين؟؟

حان الوقت لتغيير الواقع …

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s