التقمص: ظاهرة أم حقيقة؟

رهام العلي –

كثيرٌ من الناس يتحدثون عن التقمص إنما بأفكار متعددة و دون معرفة معناه الحقيقي أو مصدره. أهو حقيقة، وهم، فلسفة، معتقد أم علم نفس؟

          التقمص هو لبس « القميص »، و قميص الروح هو الجسد. أي أنّ التقمص يمثّل انتقال الروح الخالدة من جسد متوفٕ الى آخر حديث الولادة. الاعتقاد بالتقمص قديم جداً و قد تطوّرَ بشكل ملحوظ. فنجده مثلاً في الفكر الاغريقي القديم حيث الفكرة الأساسية كانت تطهير النفس من خلال عدّة ولادات الى ان تتحرر النفس الصالحة و تعود الى طبيعتها الالهية. أما في الفكر اليوناني، فالمدرسة الفيثاغورية تعتبر أن وجود النفس في الجسد هو عقاب لها ان لم تكن صالحة، يُمكن للآلهة ان تعيدها الى جسد آخر. و نجد الفكرة ذاتها عند أفلاطون الذي يعتبر ان الروح غير الصالحة تتحول بواسطة ولادة جديدة الى حيوان كعقاب لها. من ناحيته، تبنى الفيلسوف الألماني شوبنهاور فكرة التناسخ (انتقال روح انسان الى انسان آخر) و رفضَ الديانتين اليهودية و المسيحية لأنهما تتعارضان مع مبدأ الوجود « السابق ».

          هذا في الفلسفة، لكنّ فكرة التقمص حاضرة أيضًا في الديانات كالهندوسية و البوذية. لكن، ماذا عن التقمص في الديانات السماوية؟ للإجابة على هذا السؤال كانت لنا لقاءات مع ثلاثة رجال دين: الأب صلاح أبو جودة اليسوعي، مدير دار المشرق و استاذ في كلية العلوم الدينية في جامعة القديس يوسف، لشرح رأي الكنيسة في هذا الموضوع، الشيخ القاضي محمد النقري، الأستاذ في جامعة القديس يوسف و أمين عام دار الفتوى سابقًا، لتفسير موقف القرآن والاسلام عامةً، والشيخ سامي أبي المنى، رئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز، لشرح موقف طائفة الموحّدين الدروز وإزالة بعض الالتباسات الشائعة.

          لم تُشِر أيّ من الديانات السماوية صراحةً الى التقمص، لا نفيًا ولا تأكيدًا، ومن يتكلّم عنه بالاستناد الى الكتب السماوية انما هو من باب التفسير و الاجتهاد، لا سيما تفسير الآيات القرآنية. فنجد بعض المذاهب الاسلامية التي تؤمن بهذا الموضوع. كالمذهب الاسماعيلي (مع الامام اسماعيل ابن جعفر الصادق) )والنصيري (العلوي الذي يتحدث عن النسخ، اي التقمص: انتقال الروح من انسان الى انسان،انتقال الروح الى النبات (الفسخ)،الى الجماد (الرسخ) و الى الحيوان (المسخ). لكن الأفكار تغيّرت مع مجيء الإمام الحاكم بأمر الله، الخليفة الفاطمي وآخر أئمة آل البيت و مؤسس مذهب التوحيد، فقال أن انتقال الروح يكون فقط الى انسان. اذ اعتبر ان الغاية من التقمص منحَ الروح حقها من الحياة قبل الحساب و لا تجوز محاسبة روح موضوعة في حيوان او نبات أو جماد.

          بحسب ما قال الشيخ محمد النقري، لم يذكر القرآن التقمص، و الآيات القرآنية تحمل أكثر من تفسير ومن يفسرها بالتقمص لا يُعَدّ كافراً، فالموضوع ليس موضوع ايمان و كفر بل تأويل و تفسير لآيات القرآن. أما بالنسبة للحالات الظاهرة، فيعتبر ان ليس لها تفسير ديني بقدر ما هو نفسي. و يُفضّل الشيخ النقري عدم الخوض في هذه المواضيع لأنها تتعلق بالروح و ليس من السهل على الانسان ان يفهمها، ويذكر هنا الحديث النبوي الشريف: « وسكتُّ عن اشياء رحمة بكم دون نسيانها فلا تسألوا عنها ». و هنا يتفق مع الشيخ سامي أبي المنى، فعند طائفة الموحدين الدروز، العقيدة الاسلامية هي ذاتها لكن الاجتهاد مسموح و هناك داخل الطائفة من يجتهد و يفسّر الآيات القرآنية على انها اشارة للتقمص، مثلاً « يخلقُكم في بطون أمهاتكم خلقاً بعد خلق » (الزمر، الآية ٦) « الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم اليه ترجعون » (الروم، الآية ١١)، « كيف تكفرون بالله و كنتم أمواتاً فأحياكم ثمّ يُميتُكم ثمّ يُحييكم ثمّ إليه تُرجَعون » (سورة البقرة، الآية ٢٨) و غيرها من الآيات، ويؤكد ان ظاهرة التقمص موجودة بشكل واضح في أوساط أبناء طائفة الموحدين الدروز من خلال حالات النطق العديدة التي يتكلم فيها شخص ما عن حياة سابقة عاشها والتي يجتهد البعض لإثباتها من خلال تأثر مذهب التوحيد بالفلسفة والعرفان والاجتهاد ومحاولة تفسير بعض الآيات القرآنية. قد يكون صحيحًا أنّ  مذهب التوحيد الدرزي قائمٌ على الاجتهاد، وهذا يطال أيضاً موضوع الروح والبعث، لكنّ الموقف الشرعي للمرجعيات الروحية هو بردّ مصير الروح إلى الله تعالى التزاماً بنصّ الآية ٨٥ من سورة الاسراء « و يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا ».

          أما بالنسبة للطوائف المسيحية و حسب ما ذكر الأب صلاح أبو جودة، فان التقمص مرفوض كليًا و يُعتبر مناقضًا لتعاليم الكنيسة. لم يذكر الانجيل صراحةً موضوع التقمص لكنّ فكرة الوجود المسبق للروح منافية للمبادىء المسيحية; « الانسان هو ثمرة حب، ليس له وجود مسبق و هو كلٌّ لا يتجزأ، فريد و مميز و بالتالي يستحيل أن يتكرر وجوده ». كما و أن فكرة الخلاص و الكمال الموجودة في بعض الفلسفات التي تتحدث عن التقمص لا تتفق و الدين المسيحي الذي يقول بأنّ الخلاص يأتي من الله وحده بواسطة ابنه يسوع. أما بالنسبة للحالات الظاهرة فتفسيرها بحسب الأب اليسوعي يكون من خلال علم النفس…

          أخيرًا، تجدر الاشارة الى ان التقمص ليس فقط موضوعًا فلسفيًا – دينيًا، بل أيضاً موضوع علميّ. حيث نجد العديد من الأبحاث التي تتناول هذه الفكرة و تحاول اثباتها لا سيما علماء التنويم المغناطيسي (مورين برنشتين و مايكل نيوتن و د. ايان ستيفنسون الذي درس عددًا من الحالات في بلدان عديدة في محاولة منه لاثبات التقمص). أضف الى أنّ موضوع التقمص كان محطّ اهتمام بعض الأدباء الذين آمنو او اعتقدوا بوجوده (يقول جبران خليل جبران في كتاب « النبي »: »و تلدني امرأة أخرى »  كذلك أشار ميخائيل نعيمة بوضوح الى التقمص في كتابه « من وحي المسيح » عندما قال، تعليقًا على قصة المولود الأعمى الواردة في الانجيل: « يُستنتج أن اليهود، و منهم يسوع و تلاميذه، كانوا يؤمنون بأنّ أرواح الذين ينفصلون عن الأرض يمكن أن تعود الى الأرض… »). أيضًا يلجأ البعض الى حجّة العدالة الالهية لاثبات التقمص. فيسألون عن الفرق بين من مات من ملايين السنين و من مات عند حلول الساعة؟ من لم تصله رسالة هذا الدين او ذاك؟ فيجدون في التقمص فرصة لاختبار الروح بحالات عدة.

في الختام، لننسى الفلسفة والأديان، العلم و المنطق، لنفكّر بالحالات الموجودة أمامنا بكثرة. هل يستطيع علم النفس أن يُفسّرَ حالة أشخاص يتذكرون حياة سابقة حقيقية بتفاصيلها و تأكدت صحة وجودها؟ هل الذاكرة هي فقط التي تنتقل كما يجتهد البعض؟ و ان كان كذلك، لمَ لا تنتقل الذاكرة من رجل الى امرأة و بالعكس؟

Une réflexion au sujet de « التقمص: ظاهرة أم حقيقة؟ »

  1. لقد لفت إنتباهي موضوع التقمص وحوار أو رأي رجال الدين الأكارم٠
    يؤسفني أن أقول أن التقمص موجود بالقرآن والإنجيل ( بعهديه القديم والجديد ) وأود أن ألفت إنتباه الآباء الأكارم أن كثير من آباء الكنيسة الآوائل قد أعلنوا لتقمص علانية في كتاباتهم ( ولهذا إضطهدوا )٠
    يبدو أن آبائنا ( الذين يعرفون اللاهوت أكثر مني أنا المسيحي ) يعرفون أن عقيدة التقمص كانت إحدى عقائد الكنيسة لغاية العام 532 م ( تقريباً ) أثناء مجمع نيقية ، وبالتصويت 520 ضد ، 480مع ، ولذلك ألغيت هذه العقيدة ( بالتصويت !! ) وقد وافق الله على هذا التصويت !! وهذا التصويت يشابه التصويت على ٠٠أن الأرض مسطحة٠
    أرسل لكم موقعي ، فيه مقالات عن التقمص ( الكارما ، الثيوصوفيا ، التصوف الإسلامي ، ٠٠٠ ) لمن يود الإستزادة بالموضوع ، وشكراً لكم٠
    هذا عنوان موقعي على الإنترنيت : theosophias.com

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s