الجامعة اليسوعيّة تسير نحو النُخبويّة

جورج البستاني

(Epictetus)وَحْدَهُم المُتَعَلِّمُون هُم أحرار

في الفصلِ الأوّل من العام الدراسيّ ۲٠٠٨-۲٠٠٧، كَتَبَتِ الطالبة « فرح قبيسي » مقالًا في مجلّة « بيريت » بعنوان لا لِجَعْلِ العِلْمِ نُخبويًّا في الجامعة اليسوعيّة »، تَحَدَّثَتْ فيه عن الزيادة السنويّة لسعر ال »كريدي » ، ملقيةً الضَوءَ على ما يُعَانيه الطُلّاب(بِمُعْظَمِهِم) مِن جَرّاء هذه الزيادة الّتي لا تأخُذُ في الحِسْبان الأوضاعَ الإقتصاديّة الصَعْبَة(و المُزْرِيَة أحيانًا) الّتي يعيشُها قسمٌ كبيرٌ من العائلات اللّبنانيّة.

اعتَقَدَتْ « فرح قبيسي » أنَّ ذلكَ الفَصْلَ الدراسيَّ سيكونُ الأخيرَ في مسلسلِ زيادةِ الأقساط الجامعيّة، لكن للأسف، ما زالت الحَلقاتُ تتالى سنةً تلو الأخرى: الزيادةُ مستمرّةٌ و صَمْتُ الطلّاب كذلك ! فبَعْضُهُم يَخْجَلُ ربَّما من البَوْحِ بِما يفكّرُ به ومِنَ التعبير عن قلقِهِ من زيادةِ الأقساط خوفًا من تعييرِهِ مِن بعضِ الزُملاء(و هذه مشكلةٌ خطيرة)، أمّا البعضُ الآخرُ فلا يَدْري حتّى أنَّ أهْلَهُ يدفعون عامًا بعد عامٍ قِسْطًا أكبرَ من الّذي سَبَقَهُ(و هذه مشكلةُ أشدُّ خطورة!). لذلك، كان لا بدّ لنا من رفعِ الصوتِ و توجيهِ الأنظارِ نحوَ واقعٍ بدأ الطلّابُ يعتادونَ عليه و يعتبرونَه أمرًا طبيعيًا لا مفرَّ منه.

الأزمةُ المعيشيّة في لبنان ليست خافيةً على أحد: أسعارُ المحروقات تَشْتَعِلُ أسبوعًا بعد أسبوع، أسعارُ السِلَعِ الإستهلاكيّة مِن مأكلٍ و ملبسٍ لم تَعُدْ تَعْرِفُ حُدودًا، و الحدُّ الأدنى للأجور لم يَعُدْ يَكفي لِتَغطيةِ الحاجاتِ الأساسيّة ودفعِ فواتيرِ الكهرباء و المياه و الهاتف و المولّد الكهربائيّ و غيرها…

و إذا كان هذا كلّهُ غيرَ كافٍ، تأتي الأقساطُ الجامعيّةُ لتَصُبَّ الزيتَ على النار، و طلّابُ الجامعة اليسوعيّة لا يسألونَ و لا يطالبونَ على عَكْسِ ما فَعَلَ أقرانُهُم في الجامعة الأميركيّة في بيروت في شهر أيّار من السنة الماضية حينما وحَّدُوا صُفوفَهُم ووقفوا يدًا واحدةً بوجْهِ قرارٍ صادرٍ عن إدارة الجامعة يقضي بزيادة الأقساط. تناسى هؤلاء الطلّاب انقساماتِهِم و انتماءاتِهِم السياسيّةَ و أعْلَنوا اعتصامًا مفتوحًا، مُقاطِعين الصُفوفَ الدراسيّةَ إلى حين الاستجابة لمَطْلَبِهم الوحيد: »لا لزيادة الأقساط »!

بعدَ اجتماعاتٍ متتالية بين إدارة الجامعة و مُمَثِّلين عن الطلّاب، تمَّ التوصّلُ إلى حلولٍ تُرْضي الطرفَيْن، منها: تأجيلُ بدءِ تطبيق الزيادة سنةً كاملةً، رفعُ عددِ المستفيدين من الحسومات على الأقساط ، تأمينُ مشاركةِ مُمَثِّلين عن الطلّاب في اجتماعاتِ اللّجنةِ صاحبةِ الصَلاحيّة في تقريرِ الحسومات، مع العِلْمِ أنَّ هذه الأخيرة تَصِلُ إلى 30% من قيمةِ القسط السنويّ و هي نهائيّة أي أنَّ الطالبَ لا يعود و يدفَعُها بعدَ نَيْلِهِ شهادَتَهُ الجامعيّة.

أمامَ هذا الوضع الّذي لم يَعُدِ السكوتُ عنهُ مقبولًا، حَمَلْنا عددًا من الأسئلة و الهواجِسِ و توجَّهْنا بها إلى السيّدة « كَرْمِل واكيم »، مديرة دائرة الخدمة الإجتماعيّة في جامعة القدّيس يوسف، و عُدْنا بالآتي

س: بدايةً، ما هو السبب وراء الزيادة السنويّة لسعر ال »كريدي »  ؟

ج: هناك عدّةُ أسباب: أوّلًا، كلفةُ الطالب تزيدُ سنةً بعد سنة. ثانيًا، على الجامعة أن تزيدَ رواتبَ الموظّفين و هي لا تستطيع انتظارَ إقرارِ غلاءِ المعيشة مِن قِبَلِ الحكومة اللّبنانيّة. ثالثًا، يترتّبُ على الجامعة أن تُحَافِظَ على مستوىً معيّنٍ من الأساتذة و هي بحاجةٍ من أجل ذلك إلى زيادةِ رواتِبِهِم. رابعًا، الجامعة لا تأتيها أيّةُ مساعداتٍ و تمويلُها  بالتالي يعتمدُ كلّيًّا و فقط على الأقساط السنويّة.

س: ما هي الخدمات المُقَدَّمَة للطُلّاب مُقَابِل رَفع الأقساط ؟

ج: الجامعة اليسوعيّة لا ترفَعُ الأقساط بِهَدَفِ زيادة الخدمات إنّما فقط للاستمرار في تأدِيَة الخدمات ذاتها

 س: أينَ تُوَظَّفُ أرباحُ الجامعة اليسوعيّة ؟

ج: الجامعة لا تَرْبَحُ فوارِدَاتُها تُوازي نفقاتِها، و بِكُلّ صراحة، الجامعة اليسوعيّة اليوم واقعةٌ تحت عبءِ ديونٍ كثيرة

السنة الدراسيّة

    سعر ال crédit($)

2009-2008

112

2010-2009

117

2011-2010

123

2012-2011

128

س: هل ستتوقَّفُ هذه الزيادات السنويّة أم ستستمرّ إلى ما لا نهاية ؟

ج: طالما الأوضاعُ مستمرّةٌ على ما هي عليه، الزيادة السنويّة مستمرّة.

س: لماذا لا تُطَبَّقُ هذه الزيادات على الطلّاب الجُدُدِ فَقَطْ بِشَكلٍ يسمحُ لكلِّ طالبٍ أن يعرفَ مسبقًا ماذا ينتظِرُهُ على صعيد الأقساط السنويّة ؟

ج: لا يمكنُ أن يتحمَّلَ طلّاب السنة الأولى لِوَحْدِهِم الزيادة على الأقساط، فارتفاعُ كلفةِ الطلّاب يَجِبُ أن تُقْسَمَ بالتساوي على الجميع و إلّا أصبحَ العبءُ كبيرًا جدًّا على طلّاب السنة الأولى.

س: لماذا لا تَنْشُرُ الجامعة على موقِعِها الإلكترونيّ قيمةَ الأقساط السنويّة لمزيدٍ من الشفافيّة ؟

ج: على الهيئة الطلّابيّة أن تُطالب الإدارة بِفِعْلِ ذلكَ كي يعرفَ الطالبُ الكلفة الإجماليّة لدراسَتِهِ من البداية حتّى النهاية، و ليس كلفةَ سنةٍ واحدة لأنَّ هذه الكلفة مرجّحةٌ للزيادة سنةً بعد سنة.

س: ما هو مصدرُ تمويل دائرة الخدمة الإجتماعيّة ؟

ج: إنَّ دائرةَ الخدمة الإجتماعيّة تعتمدُ في تمويلِها على مَصْدَرَيْن: الأقساط الّتي تُقْتَطَعُ منها نسبة 6% تُوَظَّفُ لتأمين استمراريّة عَمَلِ الدائرة، و المُساعداتُ الّتي يُقَدِّمُها بعضُ الأشخاصِ كرجالِ أعمالٍ و سياسيّين و خرّيجي الجامعة.

و مِنَ الأمثلة على ذلك، خرّيجةُ معهد الدراسات السمعيّة و البصريّة المُقيمَةُ في دبي الّتي راسَلَتْني منذ بضعةِ أيّامٍ لإبلاغي رغبتَهَا بالتبرّعِ بمبلغِ خمسةِ آلاف دولار أميركي لمساعدة طلّاب المعهد الّذين هم بحاجةٍ إلى ذلك، و أخبرتني أنّه يوم كانت طالبةً في المعهد، لم تكن لتتمكّنَ من متابعةِ دِراستِها لولا مساعدة دائرة الخدمة الإجتماعيّة و هي لم تنسَ أنَّ الجامعة وَقَفَتْ إلى جانِبِها يومَ كانت بأمسِّ الحاجة إليها، و اليوم، بعدما تحسّنَتْ أوضاعُها، قرَّرَتْ مُبادلَةَ الجامعة بالمِثْل و رَدَّ الجميل.

السنة الدراسيّة

عدد الطلّاب المستفيدين

إجمالي المساعدات المقدّمة($)

2005-2004

2584

3868253

2007-2006

2921

4307089

2009-2008

3090

5100000

2011-2010

3341

 

س: لماذا لا توجد حسوماتٌ نهائيّة على الأقساط كما في باقي الجامعات بحيثُ لا يتوجّبُ على الطالب دفْعُها بعدَ فترةٍ معيّنةٍ من انتهاء دراستِه ؟

ج: لا تعتمِدُ الجامعة هكذا نوع من الحسومات، بل تعتمدُ نظامًا آخرَ هو نظامُ المِنَح

س: على أيِّ أساسً تُقَدَّمُ هذه المِنَح ؟ و كيف يُمكن للطالب الاستفادة منها ؟

ج: إنّ هذه المِنَح تُقَدَّمُ بعد دراسةِ وضعِ الطالب، فإذا كان يُعاني من مشكلةٍ آنيّة كعدمِ استطاعتِهِ تأمينَ القسطِ كاملاً، تُقْتَطَعُ نسبةٌ مِئويّة من هذا الأخير و يدفعُها الطالب على شكلِ قرضٍ بعد تخرُّجِه. أمّا إذا كان يُعاني من مشكلةٍ مُزْمِنَةٍ كوفاة أحد الوالدين أو كِلَيْهِما، أو إذا كان يُعاني من إعاقةٍ مُعيّنةٍ أو مرضٍ ما أو إذا كان معرّضًا لمشاكلَ عائليّةٍ خطيرةٍ كالعنفِ المنزليِّ مثلاً، نُقَرِّرُ حينها تقديمَ منحةٍ له(جزئيّة أو كاملة) و تكون نهائيّةً فلا يكون مضطرًّا إلى دفعِهَا بعد انتهاء دراستِه.

س: لماذا لا تُقدِّم الجامعة  مِنَحًا إلى الخارج للطلّاب الأكثر تميّزًا كالمِنَحِ الّتي تُقدِّمُها كلّيّة الحقوق في الجامعة اللّبنانيّة(القسم الفرنسي)  ؟

ج: لا علاقة لدائرة الخدمة الإجتماعيّة بِمِنَحِ التفوّق ، فدورُنا يَنْحَصِرُ بالمِنَحِ الإجتماعيّة

 

نعم

كلّا

هل تعلم/تعلمين أنّ هناك زيادة سنويّة لسعر ال crédit ؟

63%

37%

هل تعتقد/تعتقدين أنّها مبرّرة ؟

8%

92%

هذه الإحصاءات شَمَلت 40 طالبًا و طالبة في كلّيّة الحقوق و العلوم السياسيّة

   

س: أين و كيف تُسْتَعْمَلُ الأموال الّتي تَسْتَوْفِيها الجامعة من غرامة ال5% الناتجة عن التأخّر في دفع القسط ؟

ج: تُخَصَّصُ هذه الغرامات للمِنَح المُقدّمة للطلّاب. و إذا كان هناك سببٌ يُبَرِّرُ التأخّرَ بِدَفْعِ القسط في الموعد المحدّد، تُلغى هذه الغرامة.

س: لماذا لا يتمُّ إنشاءُ قسم « توظيفات للطلّاب » ليَعْملوا في المكتبة أو الكافيتيريا في أوقاتِ فراغِهِم أو في فصلِ الصيف بشكلٍ يؤمّنُ لَهُم مصروفهم الشخصيّ أو يُساعدُهُم على تغطيةِ جزءٍ من القسط الجامعيّ ؟

ج: هناك بعضُ الوظائف يقوم بها الطلّاب لكنّ عددَها قليل. هناك حاليًّا حوالي عشرون طالبًا لديهم عملٌ ثابت(كإدخال البيانات على شبكة الإنترنت) و خمسون طالبًا تتمُّ الاستعانةُ بِهِم عندما تدعو الحاجة. إنّما المشكلة الأساسيّة في هذا الإطار تَكْمُنُ في أوقاتِ الحِصَصِ الدراسيّة الّتي تَجْعَلُ مِن الصَّعبِ جدًّا تمكّنَ الطالبِ مِن القيامِ بأيِّ وظيفة

س: في حال لم يتمكّن أحدُ الطلّاب من دفعِ ما يتوجّبُ عليه بعد إنهائِهِ الدراسة الجامعيّة، ما هي الإجراءات الّتي تَتَّخِذُها الجامعة ضِدَّه ؟

ج: إعتبارًا من السنة الماضية، أصبحت علاقة الطالب المستفيد من المساعَدَةِ الإجتماعيّة مباشرةً مع المصرف ولم تَعُد مع دائرة الخدمة الإجتماعيّة. ففي حال التأخّر، يتمّ اللّجوءُ إلى الإجراءات القانونيّة المُعْتَمَدَة في حالِ التأخّرِ عن دفعِ أيِّ قرضٍ مصرفيّ. لكنَّ التسهيلات المُقدَّمَة للطالب(كامتدادِ فترةِ التسديد على مدى 10 سنوات) تهدفُ إلى منعِ الأمور من الوصول إلى هذا الحدّ.

—————————————–

يُشيرُ الدستور اللّبنانيّ في الفقرة « ب » من مقدّمَتِهِ إلى التزامِ لبنان الإعلانَ العالميّ لحقوق الإنسان و تنصُّ المادّة 26 من هذا الإعلان على أنّه « لكلّ شخصٍ الحقّ بالتعلّم ».

هنا نسأل: هل الحقُّ بالتعلّمِ مكفولٌ فعلاً للجميع عندما يُصْبِحُ حِكْرًا على طبقةٍ واحدةٍ من المجتمع اللّبنانيّ ؟!

و ماذا بقيَ من التعليمِ كرسالةٍ يُؤدّيها المُعلّمُ الّذي قال عنه الشاعرُ يومًا « كادَ المعلّمُ أن يكونُ رسولا » ؟!

إنّ الجامعة اليسوعيّة تسيرُ عامًا بعد عامٍ على طريقِ النُخبويّة و النتائجُ المترتّبةُ على ذلك ليست بقليلة.

و هذه المقالة هي نداءٌ إلى القيّمين على هذا الصَرْحِ التربويِّ العريق لاتّخاذِ الإجراءاتِ الكفيلةِ بوضعِ حدٍّ لما يَحْصُل و بإبقاءِ الجامعة اليسوعيّة منارةً ثقافيّةً مُضيئةً في بحرٍ من الجَهْلِ و الأُمّيّةِ و التَخَلّف !

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s