الحجاب: حرّيّة أم تشدّد؟

هبة فتحة –

تتّجه بعض الدول إلى منعِ الحجاب ورفضِهِ في مجتمعاتِها كتونس وفرنسا وتركيا وغيرها على اعتبار أنّه « زيٌّ طائفيّ » أو أنه يمسُّ بالوجه العلمانيّ للدولة، مع العلم أنّ معظمَ هذه الدول كرّسَت في قوانينها حقوقَ الإنسان وحرّيّاتِه وفي طليعتها « حرّيّة الدين والمعتقد » و »الحرّيّة الشخصيّة ». وإذا كانت هذه الدول تسعى لتفادي الانقسام الطائفيّ أو إبعادِ الوجه الطائفيّ عن المجتمع فهي تبتعدُ كثيرًا عن مُرادها إذ لا يمكنُ أن يؤدّيَ منعُ الفرد من تأديةِ شعائرِهِ الدينية إلّا إلى انقسامِ المجتمع وتشدّدِه.

إنّ حجابَ المرأة المسلمة ليس خيارًا بل هو فرضٌ عليها نصَّ عليه الكتابُ والحديث، ففي القرآن نقرأ:  » يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ » (الأحزاب 059). كما نقتبس من الحديث الشريف قولَ الرسول محمد  » إنّ المرأةَ إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلّا هذا وهذا » (وأشار إلى وجهه وكفّيه – رواه أبو داود)، لذا منعُ الحجاب يمسُّ بعمقِ الدين الإسلاميّ وبفرائضِه.

أمّا اعتبارُ حجاب المرأة منافيًا لحرّيّاتها فهو جدًّا خاطئٌ لأنّ الهدفَ من الحجاب ليس كبتَ المرأة بل محافظتها على نفسها وعفافها والحؤول دون أن تُفتتَنَ بغيرها وأن يُفتتَنَ غيرها بها.  

في الإسلام، ليست المرأة كائنًا رخيصًا ولا سلعةً للعرض لذلك فُرِضَ عليها الحجابُ والتستّرُ حفاظًا عليها، فهي كالجوهرة الثمينة، إن كَثُرَ التداولُ بها فقدت بريقها. وإذا قارنّا اليوم بين صورة المرأة المحجّبة وصورة المرأة العارية الّتي تُستخدم في الإعلانات التجاريّة لرأينا أنّ العريَّ يُهينُها أكثر كونه يجعل من جسدها ومفاتِنِها مادّةً دعائيّةً فقط لا غير.

إسلاميًّا، على المرأة المسلمة أن تَسْتَتِرَ وأن تتحجَّبَ وهذا فرضٌ مؤكّدٌ لا سيّما أنّه ورد في القرآن. حجابُها إذًا تأديةٌ لشعائر دينها وقيامُها به يعود لها وحدها، تمامًا كما يعود لها أن تقرّر تأديةَ مختلف الشعائر الأخرى من صلاةٍ وصومٍ وزكاةٍ وغيرها أي أنّه مرتبطٌ بمدى تديّنها ولا يتعلّق بأيّ شكلٍ من الأشكال بالتطرّف.

اجتماعيًا، ارتداءُ الحجاب حرّيّة، ويحقّ لأيّ إنسانٍ بشكلٍ عام وأيّ امرأةٍ على وجه الخصوص أن تختار الزيّ الّذي ترتضيه…ألا يمكن اعتبارُهُ زيًّا فولكلوريًّا لحضارةٍ ما؟! أم أنّ المجتمعاتِ لا « تتحرّر » إلّا باتّجاهٍ واحدٍ فقط فتحترمُ حرّيّةَ من تُظْهِرُ معظمَ جسدها في مكان عملِها أو دراستِها ولا تحترمُ حرّيّةَ من لا تُظْهِرُ إلّا وجهها وكفّيها؟!

 للحرّيّة مفهومٌ واحدٌ لذا لا يجوز منعُ الحجاب كما لا يجوز فرضُهُ، وفي هذا السياق أيضًا تندرج الدولُ الّتي تفرضُ الحجابَ ليس فقط على مواطنيها بل أيضًا على الأجانب وتوضَعُ هذه الدول في الخانة عينها مع تلك الّتي تمنعُ الحجابَ في الأماكن العامّة رغم اختلاف الأهداف والتبريرات، فجميع هذه الدول تُخِلُّ بحقوق الإنسان وتحدُّ من حرّيّاتِه، هذا إن لم نتطرّق إلى الموضوع من زاوية الإسلام.

نخلُص إذًا بالقول أنّ الحجابَ في الإسلام فرضٌ وفي المجتمع حرّيّةٌ، لا يحقّ لأيّ سلطةٍ منعُهُ عن المرأة المسلمة، كما لا يحقُّ لها أن تفرضَهُ على غير المسلمة، هذا ويجبُ أن يُعاقَبَ كلُّ من يمنعُ وجودَ المحجّبة في مؤسّساتِهِ أو شركاتِهِ على اختلافها لأنَّ قدراتِ المرأة وكفاءتَها لا تتعلّقُ بما ترتديه أو لا ترتديه

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s