الزوجة في الإسلام: كرّمها دينُها فظلمها مجتمعها

هبة فتحة –

في مجتمعٍ تنتشرُ فيه حريّاتُ الإنسان كالهواء، وفي مجتمعٍ تكثرُ فيه التساؤلات وتتعددّ الإجابات، وفي مجتمعٍ يُلقى فيه اللّومُ دائمًا على الشرائع والدّيانات، لا يمكن تجاهلُ قضيّة المرأة الّتي احتاجتْ عقودًا من الزمن لتبرزَ إذ لم تُخَصَّصْ حقوقُ المرأة بقانونٍ حتّى العام 1979 عندما صدرت اتفاقية « القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة » (CEDAW). والحديثُ عن المرأة لا يمرّ دون التطرّقِ إلى وظيفتِها الأسَريّة ودون الوقوف عند دورِها كزوجة. وبما أنّ الإسلامَ يُنظر إليه كدينٍ يعزّزُ دورَ الرجلِ على حسابِ المرأةِ كان لا بدَّ من إيضاحِ نظرةِ الإسلام للمرأة كزوجة.

بدايةً يكرّسُ الدينُ الإسلاميّ التّكاملَ بين المرأة والرجل وأبرزُ مظاهرِ هذا التكامل تتجلّى في العلاقة الزوجيّة، فقد نادى الإسلام بالزواج في القرآن كما في حديثِ الرسول محمد الذي قال:

« إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير  » (منقول عن أبي هريرة).

إنّ الإسلامَ دينٌ لا يعتمد على العدالة بين المرأة والرجل لكنّه يميل إلى إنصافها، وإن لم يُعْطِها الحقوقَ عينَها المعطاة للرجل فهو بالمقابل لم يفرضْ عليها الواجبات نفسها المُلقاة على عاتقه.

يرتكزُ الزواجُ في الإسلام بشكلٍ أساسيّ على: العرض، القبول وحضور شاهدين. أمّا حقوق المرأة عند الزواج فتتلخّص بالآتي:

–         حقّ اختيار الشريك

–         حقّ اشتراط، في عقد الزواج، كلّ ما لا يخالف شرع الله

–         الحقّ بالمهر المقدّم لها، إذ لا تتبع الزوج إلى بيت الزوجيّة إلّا بعد قبضها المقدّم (وهو ما يدفعه الزوج لزوجته من المال عند زواجه بها)

–         حقّ الانفراد مع زوجها في بيت شرعيّ في بيئة مأمونة يتّفق عليها الطرفان

إضافةً إلى تحديد الإسلام واجباتِ الزوجة بشكلٍ عام فهو يسلّط الضوءَ أيضا على أهميّة وظائِفها في الحياة الزوجيّة، فيتوجّب عليها مثلًا أن تطيع زوجها لكن هذا لا يعني إلغاءَ دورِها إذ إنّها شريكتُه في إعطاءِ الرأي واتّخاذِ القرار.

إذاً ليست الزوجة في الإسلام كما يصوّرها البعضُ كجاريةٍ تُشترى بالمهر، ورهنُ عبارة « أنتِ طالق » بل هي ركنٌ أساسيٌّ في الأسرة وهي نصف العائلة وتتحمّلُ نصفَ المسؤوليّة في كلِّ شيءٍ وهي النصفُ الآخر للرجل لذا يُقال « المرأة نصفُ المجتمع » ولذلك جعل الله بقول تعالى « الذكر والأنثى » كـ »اللّيل » و »النّهار » إذ قال في سورة « الليل » : « وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ».

 فهذه الصفةُ تبدأ في المجتمع الصغير أوّلًا، أي العائلة، من ثم تُعمَّمُ على المجتمع الكبير.

نعم، إنّ الإسلامَ لم يُحرّر المرأة من كلِّ القيود لكنّه احتفظ لها بتلك التي تجعلُ منها مخلوقًا ذا امتيازاتٍ، ففرضَ عليها مثلاً الحِجاب للحفاظِ عليها وميّزها عن الرجل في الإرث فأعطاها أقلَّ منه عندما تكون أخته وجعلَ لها حصّة عندما تكون أرملته، خصَّصَها بالحقوق وخصَّصَها بالواجبات فاحترمَ تكوينَها وحرصَ على أن تكمِّلَ الرجلَ فتكون زوجته وتكون والدته وتكون شقيقته وتكون ابنته؛ حرصَ الإسلامُ على أن تُجَسِّدَ المرأةُ في إطار عائلتها « السكن » وأن تكون ضعيفةً وقويّةً في آنٍ إذ نقرأ في القرآن الكريم:

« وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » (الروم 21).

أمّا الحديثُ عن تعدّدِ الزوجات وعن قوامة الرجل على المرأة وعن حصرِ الطلاق بيد الرجل في الإسلام وانتقاد بعض المناضلين من أجل حقوق المرأة للرجال كونَهُم يظلمونها، فهذا يرتبط بشكلٍ مباشرٍ بالتفسير الخاطئ لهذه القواعد وبانتشارها بشكلٍ عشوائيٍّ في المجتمعات الإسلاميّة. فبالنسبة لتعدّد الزوجات مثلا، يشترط الإسلام موافقة الزوجة الأولى الّتي يحقّ لها، في عقد الزواج، أن تشترط الطلاقَ في حالِ زواجِ الرجلِ من أخرى كما يعتمدُ على موافقةِ الزوجةِ الثانية إذ إنّ الإسلامَ كرّسَ حقَّ المرأة في اختيار زوجِها وحرصَ على ألّا تُغْصَبَ امرأةٌ على الزواج وقد وردَ ذلك في الحديث الشريف حيث نقرأ: « لا تزوج الأيم (الثيب) حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن »، إلّا أنّ مجتمعنا الذكوريَّ هو الّذي يتجاهلُ هكذا تعاليم.

أمّا « قوّامة الرجل على المرأة » والّتي نصَّ عليها القرآن في سورة النساء بقوله تعالى: « الرّجال قوّامون على النّساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم »  فهي غالبًا ما تُسْتَعْمَلُ لتبرير استبدادِ الرجل وظلمِهِ رغم أنَّ الإسلامَ لا يرضى ذلك، فالقوّامة تكون بقدرة الزوج على حمايةِ زوجتِهِ وعلى استيعابها وتُعطيه هذه الميزة قدرة اتّخاذِ القرارِ النهائيّ في ما يخصُّ العائلة وذلك بعد استشارة زوجتِهِ والتشاورِ معها وهذا ما شدّدَ عليه الإسلام وكرّسَهُ إذ إنّه حرصَ على اتّباع سُنَنِ الرسول محمد الذي كان يشاور أهل بيتِهِ وزوجاتِهِ ويعملُ بنصائحِهم.  

يبقى حصرُ الطلاق بيد الرجل. هنا أيضًا، أوجدَ الإسلامُ حلًا فترك للزوجة حرّية اختيار أن تكون العصمة بيدها، أي أن يكون الطلاق بيدها، على أن يتمّ الاتّفاقُ بين الطرفين على هذا الشرط وأن يتمّ إدراجُهُ في عقد الزواج، ويُعتبرُ ذلك بمثابةِ توكيلٍ للمرأة لا يمنعُ الزوجَ من استعمالِ حقِّهِ في الطلاق. كما أعطاها حقَّ طلبِ الخلع الّذي يُخوّلها أن تُطلّقَ نفسَها أو أن يُطلّقها القاضي على أن تُعيد ما أعطاها الزوج من مهرٍ ولا يَشترطُ « الخلع » صدورَ أيِّ إساءةٍ عن الزوج، هذا بالإضافة إلى ما ذكِرَ أعلاه عن إمكانيّتها اشتراط ما تريد في عقد الزواج لإعطائها أمانًا أكثر.

إلّا أنّ هذه الأمور مجهولةٌ في مجتمعاتنا وهذا لأنّ من يحتاجُ فعلَا إلى توعيةٍ هو الرجلُ وليس المرأة، فقد حان الوقت ليعرفَ الرجلُ المسلمُ الحدودَ الّتي وضعها له دينُهُ كما آن الأوانُ للفتِ أنظارِهِ إلى أهمّيةِ المرأةِ في الإسلام وحقوقها. في الواقع ما نحتاجُهُ ليس جمعيّاتٍ لتوعيةِ المرأة، فما الفائدةُ من تلقينِ المرأةِ حريّاتِها دون تأمينِ البيئة الاجتماعية الملائمة لها لممارسة هذه الحريّات؟ لا بدّ أن تُحرَّرَ المرأة المسلمة لكن ليس من دينها ولا من زواجها بل – هي وزوجُها- من المعتقدات الخاطئة ومن قيود التفسيرات والتحوير الّتي يسوّقُ لها المستفيدون من استمرار كبتِ المرأة المسلمة. إنّ الزواجَ خطوةٌ أساسيّة في تكوينِ المجتمعات وبالتالي يأتي تعاطي الزوج مع زوجتِهِ بشكلٍ صحيحٍ كشرطٍ للتأسيس لأجيالٍ واعيةٍ والتمهيد لمجتمعاتٍ خيّرةٍ، متحضّرةٍ وبنّاءة.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s