زينة دكّاش… ملكة على عرش سجن بعبدا للنساء

« أهلًا بكم في مملكتنا… في سجن بعبدا للنساء ». بهذه الكلمات تُرحّبُ نزيلاتُ سجنِ بعبدا بالجمهور الّذي أتى لمشاهدةِ آخرِ أعمالِ – إنجازاتِ- المخرجة زينة دكّاش : « شهرزاد بعبدا ». هي مسرحيّةٌ من تمثيلِ سجيناتِ بعبدا أو بالأحرى شهرزادات بعبدا. لماذا شهرزادات؟ لأنَّ هذه المسرحيّة هي مجموعةُ سيرٍ ذاتيّةٍ ترويها نساءٌ شاءَ القدرُ أن أصبحَ السجنُ مقرّ إقامتهِنَّ، وذلك في قالبٍ مسرحيٍّ جميل أقلُّ ما يُقالُ فيه أنّه صادقٌ و أخّاذ. في الشكل، تتميّزُ هذه المسرحيّةُ ببساطةٍ مطلقة، فللضرورةِ أحكامُها : قاعةٌ مستطيلةٌ تتّسعُ لخمسةٍ و أربعين مشاهدًا فقط فيما تدورُ الممثّلاتُ أثناءَ العرضِ في حركةٍ دائريّةٍ حول الجمهور. نقول « الممثّلات » لأنَّ معظمَ تلك النساء يتمتّعُ بموهبةٍ تمثيليّةٍ مميّزة حتّى أنَّ بعضهنَّ يُلامس الإحتراف في هذا المجال و السببُ في ذلك هو الشفافيّةُ المطلقة – و المجرّدة من أيِّ قيد- الّتي اتّسمَ بها أداؤهنّ النابعُ من القلب. جميعهنَّ(باستثناء واحدة لَبِسَتْ فستانَ العرس الأبيض) ارتدينَ لباسًا أسودَ طويلًا يعكسُ الحزنَ و الأسى. هل يُمكن أن نلومهنَّ عندما نسمعُ ما قاستهُ كلٌّ منهنَّ في حياتها الخاصّة؟ أمّا أغطيةُ الرأس فبرزتْ ألونُها زاهيةً مشرقةً بشكلٍ يرمزُ إلى الأملِ بالحياة و التطلّعِ نحو غدٍ أفضل و حرّيّةٍ منشودة. الإضاءةُ مباشرةٌ و مركّزةٌ على الوجوه من أجل إظهارِ تعابيرِ هذه الأخيرة و انفعالاتِ أصحابها، أمّا الموسيقى فمميّزةٌ و هي من تأليف خالد مزنّر(زوج المخرجة نادين لبكي و مؤلّف موسيقى « و هلّأ لوين »). على صعيد المضمون(الأمرُ ذاتُهُ ينطبقُ على الشكل)، تأتي المسرحيّةُ غير مترابطةٍ بشكلٍ مُحْكَم بل على شكلِ قصصٍ متعدّدةٍ تُخبرُ خلالها كلُّ سجينةٍ عن الظروفِ الّتي أوصَلَتها إلى السجن. يُلاحظُ المشاهدُ قاسمًا مشتركًا بين جميع الروايات يرتكزُ على الطفولةِ البائسة الّتي عاشتها هؤلاء النسوة، فيُدرك المرءُ أهمّيّةَ التربيةِ الصحيحة و مسؤوليّةَ الأهِل في هذا الإطار. أوّلُ شهرزاد أُجْبِرَتْ على الزواج في عمر الثانية عشر من رجلٍ يكبُرها بأكثر من عشرين عامًا فكانت تُناديه « عمّو » و كان يضربُها ظنًّا منه بخيانتها له. ثاني شهرزاد أصبحت في السجن بعدما ادّعى عليها زوجها بسبب ارتكابها « جريمة » الزنى. ثالث شهرزاد تصرخ للبحر كي يأخذها إلى أولادها فهي لم تَرَهُم منذ ما يزيد عن السنوات العشر. أمّا رابعُ شهرزاد فتحدّثت عن وضعِ السجن و مشاكلِ السجينات اليوميّة على صعيدِ زياراتِ الأهل و نوعيّة الطعام

تفاعلَ الجمهور مع الممثّلات، فحينًا كانَ يبتسمُ و يضحكُ و حينًا آخرَ كانتِ العيونُ تدمعُ و تبكي. نعم، بكى الجمهورُ في لحظاتٍ دراميّةٍ أيقظتْ خلالها السجيناتُ إنسانيّةً دفينةً في كلِّ إنسانٍ ووضعنَ الإصبعَ على جرحٍ دامٍ يُمنَعُ صاحبهُ من الصراخِ و الاستغاثة. تناولتِ المسرحيّةُ مشاكلَ اجتماعيّة و عائليّةً و عالجتها بالعمق، فطُرِحَت مواضيعُ عديدةٌ كالعنفِ الأُسَري و التسلّطِ الأبويّ و الذكوريّةِ البشعة و الإعتداءِ الجنسيّ و مشاكلِ الإدمان على المخدِّرات وغيرها … و كانت لافتةً صراحةُ السجينات، فتكلّمنَ بصدقٍ صارخٍ بعد إسقاطِ جميع الأقنعة. في نهايةِ المسرحيّة، أدّت النسوة رقصةً موحّدةً على إيقاعِ الطبلة و قرقعةِ أقدامِهِنَّ على خشبِ أرضيّةٍ ترتفعُ حوالي النصف متر عن الأرض، و أطلقنَ صرخةً تحملُ عدّةَ مطالبَ بعد اعترافٍ بخطأ ارتكبنهُ في مرحلةٍ ما من حياتهنَّ. نعم لقد أخطأنَ لكن جُلّ من لا يُخطئ. أليست المغفرةُ من شيمِ الكبار و من أنبلِ الفضائلِ الإنسانيّة؟ طلبتِ النساءُ من الحاضرين- الرُسُل- أن يسمعَ العالمُ خارجَ جدرانِ السجن أصواتهنَّ ووجعهنَّ. طالبنَ بتحسينِ وضعِ السجون و بتسريع محاكماتهنَّ(معظمهنَّ موقوفات و لسنَ محكومات) كما طالبنَ بإيجاد حلٍّ للّواتي أمضينَ حوالي ثلاثين عامًا في السجن

إنَّ هذه المسرحيّة هي خطوةٌ – ضروريّةٌ و مفيدةٌ للسجينات أوّلًا ولتوعيةِ المجتمع ثانيًا- في اتّجاهِ لفتِ الأنظار إلى ضرورةِ رسمِ سياسةٍ جنائيّةٍ شاملة و متكاملة تأخذُ بعين الاعتبار الظروفَ المحيطة بالمرتَكِب ولا تُجرّدُهُ من كرامتهِ وإنسانيّتِهِ

نختم بالعودة إلى أسطورة شهرزاد الّتي انتصرت على شهريار في نهاية المطاف. و شهريار يُمثّل هنا كلَّ إنسانٍ باعَ ضميرهُ وتنصّلَ من إنسانيّتِهِ وتلطّى وراءَ الأحكامِ المسبقة. على أمَل أن تنتصرَ كلّ قضيّةٍ محقّة، نقول: تحيّة لكِ زينة دكّاش وألف تحيّةٍ لَكُنَّ شهرزادات بعبدا

جورج البستاني – طالب حقوق- السنة الرابعة

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s