قبل أن تصبح الجغرافيا تاريخ …

ليس من الغريبِ في بلدٍ مشاكلُهُ لا تُحصى ولا تُعدّ أن يكون حلُّ المشكلة البيئيّة مؤجّلاً دائماً إن لم نقُل غائباً دائمًا. فبين النزاعات السياسيّة والتجاذبات الطائفيّة من جهةٍ وغيابِ وعي المواطن وحسِّهِ بالمسؤوليّة من جهةٍ ثانية، أصبحتْ جبالُ لبنان مكبّاً للنفايات وبحورُه مصبّاً للمجارير وسماؤهُ الزرقاءُ رماديّة … فهل يمكننا أن نتكلّم عن لبنان كما تصفه السيّدة فيروز بـ « لبنان الأخضر »؟ كيف نتجرّأ على اتّهامِ أنفسنا بـ « الشعب الذكي » ونحن لا نحافظُ على أغنى الثروات الّتي أُعطِيَتْ لنا؟ وعلى من تقعُ المسؤوليّة تحديداً؟ أسئلةٌ كثيرةٌ تُطرح والجواب واحد. فأساسُ المشاكل كلّها في لبنان هو انعدامُ الوعي الوطني. هذا الوعي يتفرّعُ منه حسُّ المسؤوليّة ومحاسبةُ الدولة على أعمالِها وأداءِ رجالِها. نقولا فتوش مثلاً (النائب عن قضاء زحلة ووزير الدولة الحالي) اعتبر انتخابَهُ بمثابة تمليكِهِ المنطقة، فقسَّمَها وجزّأها وكسّرها وباعها. و بدلاً من أن يكون نائباً عن الأمّة أصبح نائبةً على الأمّة. والمضحك المبكي أنَّ الشعبَ اللّبنانيَ يُعيدُ الكرّة وينتخبُهُ مجدّداً. أليس من الأجدى لهذا الشعبِ أن يكفَّ عن لومِ الدولة ويأخذَ المبادرةَ بالإصلاح؟ العبارة الشائعة: « مش طالع بإيدي شي »  لا يمكن استخدامُها هنا، فكلُّ ما علينا أن نفعلَ هو عدمُ إسقاط الورقة لا في صندوق الإقتراع ولا من النافذة

بهدف التقرّبِ من الواقع، أجرينا مقابلتين، الأولى مع مستشارة وزير البيئة و الثانية مع رئيسة حزب الخضر اللبناني السيّدة ندى زعرور

لم تُنكر وزارة البيئة مسؤوليّاتِ الدولة وتقصيرَها. فكيف يمكن للدولة أن تُحاسِبَ المواطنَ على أدائِهِ السّيئ وأداؤها أسوأ بكثير؟؟ معمل الذوق على سبيل المثال، يولّدُ هواءً ملوّثاً أكثرَ ممّا يولّد كهرباء. هذا لا يعني أنّ وزارة البيئة لا تسعى للقيام بمهامِها، فمشكلتُها الأساسيّة هي تعدّدُ الأجهزة المختصّة بالنظر في المشاكل البيئيّة. من وزارة البيئة إلى وزارة الداخلية مروراً بالقضاء ووزارة الأشغال، ضاعت الطاسة وكلٌّ يغنّي على ليلاه. ومن مشاكل وزارة البيئة أيضاً، عدد الموظّفين. فبينما يجبُ أن تتمتّعَ هذه الوزارة بكفاءة 182 موظّفاً، يراوح العدد الحاليّ ما بين 60 و 70 موظّفًا للقيام بجميعِ المهامِ الموكلةِ إليها، في حين نعرفُ كلّنا الفائضَ المخيف في التوظيف في وزاراتٍ أخرى

إنّ القوانين المطلوبة موجودةٌ بمعظمِها فنجدُ أكثر من 750 مادّة قانونيّة تخصّ البيئة. ولكن، من يطبّقها؟ ومن يحاسِبُ على عدم تطبيقها؟

من هنا تبرزُ أهميّةُ المجتمعِ المدنيِّ من خلال جمعيّاتِهِ الّتي تحاولُ إيصالَ الصرخةِ إلى المسؤولين المعنيّين. أكثرُ من 400 جمعيّةٍ تعملُ اليوم على الأرض، منها من يكتفي بالتوعية والمطالبة، ومنها من يعتبر أنَّ تحقيقَ هذه الأهداف يتطلّبُ الوصولَ إلى السلطة. حزب الخضر اللّبناني ينتمي إلى الفئة الثانية. هذا الحزب الّذي تأسّس سنة 2004 يطمح للوصول إلى السلطة وتحقيق الفَرْق، فبحسب رئيستِهِ السيّدة زعرور، إنَّ رجالَ السلطة جميعهم غيرُ مبالين بالوضع البيئيِّ في لبنان، وهم لا يتذكّرون مطالب المواطن إلاّ عشيّة الإنتخابات. وترى السيّدة زعرور، باسم الحزب، أنَّ الحلَّ الوحيدَ يكمنُ في شقِّ الطريق والإمساكِ بالسلطة لإحداثِ التّغييرِ المنشود

إنّه لشيءٌ مؤسفٌ أن يكون الحديثُ عن الفضائحِ في لبنان أكانت بيئيّةً أو غيرَ بيئيّةٍ سهلاً جدّاً بسبب كثرتِها. وإذا أردنا اختصارَ الفضائح البيئيّة، بحسب رئيسة حزب الخضر، يمكننا أن نشير إلى فضيحةِ محطّات التكرير، فهناك 8 محطّات تكرير مياه مبتذلة مجهّزة وموزّعة على الأراضي اللّبنانية، وتُعتبرُ الأكثر تقدّماً من الناحية التكنولوجيّة في الشرق الأوسط … لكنّها لا تعمل. لماذا؟ الجواب بسيط: لأنّ بعضَ الإمداداتِ بين المحطّة ومصادر هذه المياه تمرّ بأراضي أحد « رجال النخبة » اللّبنانيين. وهذا السبب حوّل شاطئنا وبحرنا إلى مصبّ!! فلكي لا يخسر مواطن واحد قطعة أرضٍ، يمكن للدولة أن تتملّكها مقابل ثمنٍ عادل، يخسرُ المواطنون « العاديّون » شاطئاً وبحراً بالكامل

صحيحٌ أنَّ حزب الخضر لا ينتمي إلى الطبقة الحاكمة اليوم، لكنّه الجنديُّ المجهول وراءَ العديدِ من مشاريعِ القوانين، فإثر طلبٍ وضغطٍ من الـ « خضر » تمَّ إقرارُ مشروعِ قانونٍ يُنشِىءُ ما يُسمّى بالنيابة العامة البيئيّة و باللّواء الأخضر، اللّذان ينحصرُ عملُهُما بملاحقة المخالفات البيئيّة و محاسبة مرتكبيها

لا نُنْكِرُ دورَ أيِّ شخصٍ سعى وناضلَ من أجلِ الحفاظِ على الوجه الحضاري البيئيّ للبنان (أو على الأقلّ ما تبقّى منه) لكنّ سؤالاً مشتركًا سألناه في مقابلتينا، أتى جوابُهُ مبهماً غير واضحٍ أقربَ إلى اللّاجواب، وهو : من ارتبط اسمُهُ بإسم المحافظة على البيئة؟

لقد حان الوقتُ كي نتحرّكَ كلّنا للعملِ من أجل الحفاظ على ما تبقّى من طبيعتنا قبْل أن تُصبحَ الجغرافيا تاريخ

مخايل الهاشم و أليس بو عاصي-حقوق -السنة الأولى

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s