نقابة المحامين في طرابلس تكرّس الوراثة المهنيّة

مهنةُ المحاماة في لبنان هي من المهن المنظّمة بقانونٍ صادرٍ عن مجلس النواب، هو القانون رقم 8\70 الصادر في 11 آذار 1970. و يشير هذا الأخير إلى أنّ للمحامين في لبنان نقابتان، نقابةٌ في بيروت و نقابةٌ في طرابلس. كذلك تنصُّ المادة 59 من هذا القانون على أنَّ مجلسَ النقابة يختصُّ بإدارةِ شؤونها و يعودُ له بنوعٍ خاصّ : … »وضعُ النظام الداخلي للنقابة و تعديله و سائر الأنظمة المتعلّقة بالنقابة ». إذًا، أناط المشترعُ اللبنانيّ إدارةَ شؤونِ كلٍّ من نقابتي المحامين بمجلسِها الخاصّ على أن تضعَ كلُّ نقابةٍ نظامَها الداخلي

مناسبةُ الحديث عن هذا الموضوع هي إحدى مواد النظام الداخليّ لنقابة المحامين في طرابلس. فتنصُّ المادة 11 من هذا النظام، و هي المادة المتعلّقة بتحديد شروط الإنتساب إلى النقابة، في بندها الرابع عشر(الفقرة ب) على الآتي :  » يُعفى من اختبار كفاءة طالبي الانتساب أبناء المحامين حصرًا و يُستعاضُ عن الإختبار الخطّيّ بمقابلةٍ مع مجلس النقابة، كما يُعفى أبناء المحامين المتوفّين الراغبين بإكمال مسيرة أحد الوالدين ومتابعة مسيرته« 

ضعفٌ في الصياغة و خللٌ في المضمون

 بدايةً، و قبل التطرّقِ إلى صلبِ الموضوع، نسجّلُ ملاحظةً على صعيد الشكل أي بما يتعلّقُ بالصياغة. إقرأوا مجدّدًا العبارة الأخيرة الواردة في مَتْن هذه الفقرة( » الراغبين بإكمال مسيرة أحد الوالدين و متابعة مسيرته » ). ما الفرقُ بين « إكمال المسيرة » و »متابعة المسيرة » ؟ هل من ضرورةٍ لهذا الحشو اللّغوي؟ ألم يتنبّه أحدٌ قبلَ إقرارِ النظام الداخليّ إلى هذا التكرار السخيف؟ قد يكون من صاغَ هذه الفقرة حَصَرَ اهتمامَهُ بمضمونها و لم يُعِرِ الشكلَ أيَّ اهتمامٍ فَسَهَا عن هذا التفصيل، لذا لن نعيّرهُ بمعرفَتِهِ اللّغويّة

ننتقلُ للحديثِ عن صلبِ هذه الفقرة الّتي تدوسُ على ما يُسَمَّى بالمساواة، فبِموجَبِها يُعفى أبناءُ و بناتُ المحامين و المحاميات في الشمال الراغبين بممارسةِ مهنةِ المحاماة من اختبارِ الكفاءةِ الخطّيّ و هو اختبارٌ يضعُ على عاتقِ طالبِ الانتسابِ إلى النقابة واجبَ الحصولِ على معدّل 12/20 من مجموع العلامات(وفقًا للمادة 15 من النظام الداخلي) و هو معدّلٌ ليس بقليل. نشيرُ هنا إلى أنَّ نسبةَ النجاح في آخرِ دورةِ انتسابٍ إلى نقابةِ محامي الشمال لم تتجاوز 1.77% من عددِ المتقدّمين إلى هذه الدورة(نجح 4 أشخاص من أصل 225 متقدّمًا)، الأمرُ الّذي يدلُّ على أنَّ الإختبارَ الخطّيَّ للانتساب هو اختبارٌ جدّيٌّ يرمي إلى اختيارِ الأفضلِ من بين المتقدّمين وبالتالي إلى الإعلاءِ من شأنِ المهنة في زمنٍ يتحدّثُ فيه المحامون القدامى عن المستوى المتردّي الّذي تعيشُهُ اليوم مهنةُ المحاماة في لبنان

حججٌ واهية لا تبرّر التمييز

في الحقيقة، لا نفهمُ ما هو سببُ التمييز بين أبناء المحامين و أبناء غير المحامين الراغبين في ممارسة مهنة المحاماة. قد يتذرّعُ البعضُ، من أجل تبريرِ هكذا تمييز، بحجّةِ أنَّ أبناءَ المحامين قد تربّوا منذ الصِّغرِ في جوٍّ قريبٍ من المهنة و هم بالتالي أعْلَمُ من غيرهم(أي من أبناءِ غير المحامين) بها و بخفاياها و أسرارها(اللّهُمَّ إلّا إذا كانوا يعتقدون بنظريّةِ تفوّقٍ جينيٍّ تجعلُ من شخصٍ ما مميّزًا على صعيد المعرفةِ القانونيّة بمجرّدِ ولادتِهِ لأبٍ محامٍ أو أمٍّ محامية!). لكنّ هذا البعضَ قد فاتَهُ أنَّ هذه الحجّة، و إن كانت تنطبقُ في بعض الحالات، إلّا أنّها غيرُ صحيحةٍ في حالاتٍ عديدة. لماذا إذًا تعميمُ حالةٍ خاصّةٍ على النقابة بأكملها؟ إضافةً إلى ذلك، نرى أنَّ هذه الحجّةَ، وإن صحّتْ، من شأنِها أن تلعبَ لغيرِ صالحِ أبناءِ المحامين، فلو كان صحيحًا أنَّ هؤلاءَ هم أقربُ إلى المهنة و أكثرُ معرفةً و إلمامًا بها من أبناء غير المحامين، يكون هؤلاء(أي أبناءُ المحامين) محظيّين و متقدّمين على غيرهم من طالبي الانتساب و ذلك استنادًا إلى عاملٍ موضوعيٍّ هو صدفةُ ولادتِهِم لأبٍ(أو أمٍّ) يمارسُ مهنة المحاماة. فما الداعي ليأتي نصٌّ يُعفيهم من اختبارٍ خطّيٍّ، هم أصلًا مرشّحون للتفوّقِ فيه على غيرهم من أبناءِ غير المحامين؟

هنا، قد يطلعُ البعضُ الآخَر بحجّةٍ أخرى(لتبرير التمييز) هي الاستعاضةُ عن الإختبارِ الخطّيِّ بمقابلةٍ مع مجلس النقابة(نصَّتْ عليها الفقرة ذاتها)، و أنَّ من شأنِ هذه المقابلة غربلةُ الصالحِ من أبناءِ المحامين من طالِحِهم. حسنًا، قد يكون الأمرُ كذلك، لكن أليستِ المقابلةُ الشفهيّة(مع إبن المحامي)، والّتي يُجريها أعضاءٌ من مجلسِ النقابةِ الّتي ينتمي إليها والدُ أو والدةُ طالبِ الإنتساب، مكانًا خصبًا كي تلعبَ فيه « الواسطة » دورًا لا يُستهانُ به خاصّةً في لبنان؟ وإذا كانت النيّةُ بعدمِ قبولِ غير الكفوئين موجودةً، ألا يبقى الإختبارُ الخطّيُّ ضمانةً للشفافيّةِ و عدمِ التمييزِ والمفاضلة، خاصّةً و أنَّ مسابقاتِ الإمتحان تُصحّحُ بعد إغفالِ أسماءِ طالبي الإنتساب؟

نشير إلى أنّ النظام الداخلي لنقابة المحامين في بيروت لا يعرف مثيلًا لهذه الفقرة، فهل يصحّ الإستنتاج بأنّ الجوّ العائلي القريب من المهنة الّذي يتنعّم به أبناء المحامين في الشمال (كما يقولون) يتوقّف مفعوله خارج حدود محافظة الشمال؟

أمّا في ما يختصُّ بالشقِّ الثاني(من الفقرة « ب ») الذّي يُعفي أبناءَ المحامين المتوفّين من الاختبارِ الخطّيِّ، فنرى أنَّ التمييزَ غيرُ جائزٍ أيضًا. فما هو التبريرُ الّذي يمكنُ أن يُعطى في هكذا حالة؟ هل هو الشفقة؟ و إن كان كذلك، هل يقبلُ أبناءُ المحامين المتوفّين أن يتمَّ إعفاؤهم من الاختبار لمجرّدِ أنَّ أحدَ الوالدين قد توفّيَ؟ أما من مكانٍ لكرامَتِهِم؟

مبادئُ قانونيةّ يُضْرَبُ بها عرض الحائط و مخالفةٌ صريحة للدستور اللّبناني

صحيحٌ أنّ قانونَ تنظيمِ مهنةِ المحاماة قد أعطى مجلسَ نقابة المحامين صلاحيّةَ إدارةِ شؤونِها و وضعِ نظامِها الداخلي، و قد استندَتْ نقابةُ المحامين في طرابلس إلى هذه الصلاحيّة من أجل إدخالِ هكذا فقرة إلى نظامِها الداخلي، لكنَّ السؤالَ يبقى عمّا بقيَ من احترامِ مبدأ تكافؤ الفرص القائم على الجدارة و المثابرة و السعي من أجل التميّز و إثبات الذات في ظلّ جوٍّ تنافسيٍّ طبيعيّ يُؤدّي إلى اختيار الأفضل وفقًا لدرجة الإستحقاق، لا تبعًا للنسب العائليّ. كما نستاءلُ عمّا بقيَ من مبدأ المساواة الّذي نصَّ عليه الدستور اللّبنانيّ في مادّتِهِ السابعة(« كلّ اللّبنانيّين سواء لدى القانون.. ») و هو- أي الدستور- الوثيقةُ القانونيّة الأسمى في الجمهوريّة اللّبنانيّة و رأسُ الهرمِ الّذي يعلو مختلفَ القواعد القانونيّة و منها القوانين

إنَّ الإبقاءَ على هذه الفقرة يطرحُ أسئلةً و يثيرُ شكوكًا حولَ الهدفِ الحقيقيِّ من ورائِها. فهل تُخفي رغبةً لدى النقابةِ بتكريسِ وراثةٍ « مهنيّةٍ »- على شاكلةِ الوراثةِ « السياسيّة »- عبرَ منحِ أبناءِ المحامين امتيازًا غيرَ مبرّرٍ؟

أخيرًا، نشيرُ إلى أنَّ الحلَّ ليسَ مُستعصيًا على الإطلاق، بل هو يقضي بتعديلِ النظامِ الداخليِّ للنقابةِ بشكلٍ يؤدّي إلى إلغاءِ الفقرة « ب » من البند الرابع عشر من المادة 11، وهكذا تخطو نقابةُ المحامين في طرابلس خطوةً إضافيّةً نحو مساواةٍ مفقودة

جورج البستاني- طالب حقوق- السنة الرابعة

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s