الإلحاد… بين المسؤوليّة الجزائيّة و الخبث الإجتماعي

لطالما اقتنعنا أنّ لبنان بلد الحرّيّة و الانفتاح مقارنةً مع محيطه العربيّ خاصّة، فحفظنا عن ظهر قلب المادة التاسعة من الدستور مقتنعين أنّها الضمانة العليا لحرّيّتنا. إلّا أنّ هذه المادّة تنصّ على أنّ الدولة تؤدّي « فروض الإجلال لله تعالى » واضعةً إذًا الإيمان بالله كحدٍّ لهذه الحرّيّة. فماذا إذًا عمّن لا يؤمن بالله؟

فضلًا عن نبذ « الكافر » إجتماعيًّا و إقصائِهِ عن أبسط حقوقه الإنسانية من خلال إخضاعه – و لو نظريًّا- لإحدى الطوائف الثمانية عشر عند الزواج و الإنجاب و الإرث و الترشّح للإنتخابات و الوظائف(…)، نجد أنّ المشرّع ذهب أبعد من سياسة الإقصاء هذه معتمدًا سياسة المعاقبة الجزائيّة لمن يمسّ بما يعرف « حرمة الدين » أو الله….  سنسلّط الضوء في ما يلي على الشقّ القانونيّ الجزائيّ للإلحاد من خلال دراسة ثلاث مواد من قانون العقوبات اللّبناني

يُخصّصُ قانون العقوبات الفصل الأوّل من بابه السادس في الكتاب الثاني « للجنح الّتي تمسّ بالدين ». و إنّ مجرّد تخصيص فقرة ضمن القوانين الجزائيّة لمسائل الدين يعبّر عن مدى تراجع سقف حرّيّة التعبير ذلك فضلًا عن أنّ المواد الّتي يحتويها هذا الفصل تدلّ على رجعيّة المشرّع و حرصه على تشجيع الخبث الإجتماعي.

ما هي الجرائم التي تمسّ بالدين ؟

 تعاقب المادة 473 التجديف على إسم الله بينما تضيّق المادتان 474 و 475 حريّة التعبير أكثر فأكثر من خلال شمل الإحتفالات و الشعائر و الطقوس و الرسوم الدينيّة كافّةً ضمن نطاق « المحرّمات »! فما هي حدود التجديف المنصوص عليه في المادة 473؟ و من يحدّدها؟ هل تعود للتقدير الشخصيّ للقاضي أم للأعراف؟  أم أنّها تُترك لِتُقَدَّرَ أهمّيّتُها حسب الضجّة الّتي يُحْدِثها « التجديف » لدى الرأي العام و المراجع الدينيّة؟ و ماذا يمكن اعتبارُهُ تجديفًا؟ هل إعلانُ الإلحاد هو تجديفٌ على إسم الله مثلًا؟ يُجيب العديد من الفقهاء القانونيّين أنّ هذه المادة تُجرِّمُ التجديف على إسم الله و ليس بالله، و بالتالي لا تُعاقِبُ الإلحاد بشكلٍ عام و إنّما شَتْمَ إسم الله في العلن

إلّا أنّ المشرّع لم يكتفِ بحصرِ رقعة الجنحة ب »الله »، بل وسّعها لتشمل كلّ ما له صلةٌ بالأديان كافة. فتُعاقبُ المادة 474 تحقيرَ الشعائر الدينيّة أو الازدراء بها بواسطة وسائل النشر كالكلام و الكتابات و الرسوم والأفلام و الصور…(و هنا نذكّر بالدعوى القضائيّة الّتي طالت الفنّان مارسيل خليفة على خلفيّة أغنية « أنا يوسف يا أبي ») كما و نطرح السؤال عن ماهيّة « الشعائر » الدينية ؟ و ما حدود « الإزدراء »؟ هل أنّ مجرّد المزاح معاقبٌ عليه أيضا؟ أمّا المادة 475 فتُعاقبُ تشويش الإحتفالات و الطقوس الدينيّة، و هنا يوحي استعمالُ عبارة « تشويش » الفضفاضة بتوسيعِ رقعةِ إمكانيّة الملاحقة، كما و أنّ عبارة « إحتفالات » قابلة لعدّة تأويلات… أمّا الفقرة الثانية من هذه المادّة تعاقب من هَدَمَ أو نَجَّسَ « أبنيةً خُصَّتْ بالعبادة أو أشْعِرَتِها و غيرها ممّا يُكرّمُهُ أهل الديانة أو فئة من الناس »، فهل كانت هفوةً من المشرّع أن يمنَعَ هدمَ أبنيةٍ تُكرّمُها « فئة من الناس » ؟!  و ما هو معيار تكوين هذه « الفئة »؟

شرط العلانيّة أو تجلّي الخبث في القانون اللّبنانيّ

أمّا الإشكاليّة الثانية الّتي تُطرحُ و هي خيرُ دليلٍ على الخبث المستشري في مجتمعنا و الّذي ينعكس خبثًا في القانون، هي شرط « العلانية »، معيدًا إلى ذاكرتنا المادة 488 من القانون نفسه التي تشجّع الزوج على الزنا السرّي! ففي المادة 473 يُشترَطُ أن يكون التجديفُ على إسم الله علنيًّا, و إن عنى ذلك شيئًا فهو يعني أنّك حرّ أن تكون كافرًا و أن تلعَنَ الله لكن في السرّ فقط ! كما و أنّ المادة 474 تعاقبُ تحقيرَ الشعائِرِ الّتي « تُمارَسُ علانية »! و هنا يتبيّن أنّ المشرّع يتقبّل ضمنيًّا وجود الملحد، و أنّ هاجِسَهُ ليس « ردَّهُ على طريق الصواب »   – و كأنَّ ذلك من اختصاصِهِ أصلًا- و إنّما محاولةُ « طمس » إلحاده

الطوائف تتفوّق على اللّه

أمّا الإشكاليّة الأخيرة فتبرز على صعيد العقوبة الّتي يُمكن أن تصلَ إلى الحبس لمدّة ثلاثِ سنواتٍ في بعض الحالات. فبالنسبة للمادة 473، يُعاقَبُ التجديفُ على إسم الله بالحبس من شهرٍ إلى سنة. أمّا المادتان 474 و 475 المتعلّقتان بتحقير الشعائر الدينيّة و تشويش الإحتفالات الدينيّة و هدم الأبنية الخاصّة بالعبادة، فتنصّان على عقوبة أقسى وهي الحبس من ستّة أشهر إلى ثلاث سنوات. و هنا ما يؤكّد أنّ نيّة المشرّع لم تكن المحافظة على الإيمان و التقوى في المجتمع و إنّما المحافظة على الطوائف و قدسيّتها، فأنزلَ بمن يَمَسُّ بإحدى الطوائف عقابًا أشدَّ من ذلك الّذي يطال من يَمَسُّ بإسم الله. فالمسُّ بإسم الله لن يخلقَ نعراتٍ طائفيّة كالمسِّ بإحدى الطوائف

و يبقى من اللّاشكِ فيه أنّ المشرّع لم يستخدم هذه العبارات الشاملة و الفضفاضة عن عبث، و إنّما أراد إبقاءَ هذه المواد الجزائيّة كسيفٍ مُصْلَتٍ على كلِّ من يجرؤ على المساس بالمسلّمات الدينيةّ. فبات من المعلومِ أنَّ الحالةَ الوحيدة الّتي تجتمع فيها الطوائف في لبنان هي مواجهةُ الأخطار المشتركة ألا و هي الإلحادُ والعلمانيّة

(لمى كرامة(طالبة حقوقالسنة الثالثة

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s