صوت المغترب في ديموقراطيّة غريبة عجيبة

 

في البلدان الديموقراطيّة والحضاريّة التي لا تقوم على التوافق المزيّف كما هي الحال في بلادنا، يكون الشعب مصدر السلطات من خلال العمليّة الانتخابيّة. فالفريق الذي ينتخبه هذا الشعب (إن كان ذلك من خلال أعضاء البرلمان أو من خلال الانتخاب المباشر لرئيس الجمهوريّة) يضع أولويّاته ويشكّل حكومة ويسنّ القوانين ويحكم. بذلك، يكون الشعب ولو بطريقة غير مباشرة، قد حقّق مبتغاه وعبّر عن حاجاته ومطالبه محاولاً تقليصها.

طبعًا، ما نعنيه بمطالبنا هو حاجات المواطن، اليوميّة منها والعامّة، التي تُبتكر لها الحلول من خلال الحكومات والقوانين وليس من خلال الخدمات غير المشروعة التي تصبح – عشيّة الانتخابات فقط – خبزنا اليوميّ.

من خلال هذه المقدّمة، نستنتج أنّ الدافع والسبب للانتخابات هو حاجاتنا ومطالبنا، فإذا كانت كثيرة نحاول تغيير الطاقم الحاكم، وإذا كانت منطقيّة وضمن الحدود نبقى على خياراتنا السياسيّة.

من هنا يبرز السؤال : من يحقّ له التصويت؟ أو بمعنى آخر : من باستطاعته إدراك ومعايشة مشاكل ومطالب وحاجات البلاد؟

الجواب عن هذا السؤال واسع ومتشعّب، لذلك سوف نكتفي بالجواب عن فرع منه أكثر تحديدًا وهو التالي : هل من المفترض أن يكون للمغترب حقّ التصويت؟

عادةً ما يتّجه القادة، كي يقنعوا الرأي العامّ، إلى المناداة والمطالبة بتحقيق مبادئ ديموقراطيّة « تساعدنا على التقرّب من البلدان المتقدّمة ». فالبعض يطالب بوجوب إعطاء المغترب حقّ الانتخاب، والبعض الآخر يدافع عن فكرة تخفيض سنّ الاقتراع، وطبعًا كلّ ذلك من أجل تصفية حسابات وتحقيق مصالح طائفيّة ضيّقة لا تمتّ إلى الوطنيّة بِصِلَة.

أمّا الأخطاء في هذا المنطق، فهي تكمن أوّلاً بالمقارنة مع البلدان الأخرى، فمن خلال هذه المقارنات نبرز مدى عيوبنا ومدى تفوّق بلدان الغرب علينا، علمًا أنّ لكلّ بلد وضعًا وحالة وخصائص معيّنة لا يمكن تجاوزها لمقارنته ببلدان أخرى، إلاّ في بعض الحالات المتشابهة وبهدف التطوير. أمّا بالنسبة إلى لبنان، فإنّه بلد يضمّ 18 طائفة، ويجب مراعاتها جميعها ضمانًا للاستقرار و لحسن سير البلاد. هذا مثل واحد عن حالة فريدة تتحكّم ببلادنا ولا نجدها عند غيرنا وتبيّن مدى اتّساع الهوّة بيننا وبين بلدان أخرى.

أمّا الخطأ الثاني والأهمّ فهو يكمن في أنّ هذه البلدان التي نتحدّث عنها عادةً ونقارن لبنان بها، لا تتمتّع بصوت المغترب.

فصوت المغترب الفرنسيّ مثلاً في الانتحابات النيابيّة هو صوت لدوائر مخصّصة للمغتربين، وليس للدوائر الفرنسيّة الداخليّة، علمًا أنّ أحد أهمّ شعارات حزب أل « UMP »  الفرنسيّ في الانتخابات الأخيرة كان إلغاء هذا الصوت مما يعني أن شريحة كبيرة من الفرنسيين تعارض وجوده.

وبالعودة إلى سؤالنا الأساسيّ « من باستطاعته إدراك ومعايشة حاجات البلاد؟ »، علينا طرح جملة من الأسئلة المترابطة : هل يعاني المغترب ممّا يعانيه يوميًّا شعب بلده الأمّ من مشاكل؟ هل تنقطع الكهرباء في فرنسا؟ هل يموت الفقراء على أبواب مستشفيات كندا؟ هل تُقطع الطرقات أمام اللبنانيّ المتّجه إلى عمله في دبي؟ فهل يمكن للمغترب إدراك ومعايشة ومواكبة متطلّبات الحياة في لبنان لكي يحقّ له التصويت والتأثير على مصيرها؟

إن الخطر في إعطاء المغترب حق التصويت يكمن في كون المغترب الذي يعيش في ظل قوانين وسياسات حكومات الخارج سيؤثّر من خلال صوته على قوانين وسياسة حكومة لبنان، وبالتالي على الحياة اليوميّة والعامّة للبنانيّين المقيمين في لبنان من دون أن يتأثّر هو بذلك.

يقول البعض أنّنا بحاجة إلى المغترب وبحاجة إلى أن يبقى متعلّقًا ببلاده. هذا صحيح، ولكن يجب التفريق بين المغترب الذي نسي كليًّا وطنه الأمّ، وبين المغترب الذي لا يزال على علاقة به. فالأوّل لن يصوّت في كلّ الأحوال، إن كان ذلك سيكلّفه عشرات الكيلومترات للوصول إلى السفارة، أم الآلاف منها للوصول إلى لبنان. أمّا الثاني، فيجب إبقاء صلة حيّة بينه وبين وطنه. كيف نحافظ على هذه الصلة؟ أمن خلال السماح له بالتصويت في السفارة وإبقائه في بلاد الاغتراب؟ أم من خلال حثّه على المجيء إلى لبنان ولقاء عائلته وأحبابه إذا كان وضع البلاد يهمّه إلى هذا الحدّ؟

أمّا السؤال الأخير الذي يُطرح، فهو ما إذا كانت صورة لبنان الإعلاميّة تُتَرجَم في الاغتراب بالشكل الصحيح، علمًا أنّ بعض المحطّات الإعلاميّة مثل « المنار » وأل « NBN » التابعة لبعض الفرقاء تُمنع من البثّ في بعض البلدان؟

أخيرًا، إنّنا نناقش بل نتبارز، نتفلسف بل ننظّر، نتحاور بل نتشبّث، نقترح بل نفرض، آراء ونظريّات حول قانون الانتخابات، علمًا أنّ هذا القانون، إذا كان قانونًا نسبيًّا أو أكثريًّا، ينص على خفض سنّ الاقتراع أو لا، يسمح للمغترب بالتصويت أو يحرمه إياه ، فالنتيجة هي نفسها : رئيس مجلس النوّاب معروف مسبقًا، والحكومة هي حكومة « وحدة وطنيّة »، فتحيّة لديموقراطيّة لبنان الغريبة والعجيبة!

مخايل الهاشم

طالب في السنة الثانية –كلية الحقوق 

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s