المجلس الدستوري… ضمانة لنزاهة الإنتخابات أم مؤسسة صورية؟

المجلس الدستوري وزخم الإجتهاد الإنتخابي: 

مشابهة بالنظام الفرنسي, أولي المجلس الدستوري صلاحية النظر بالطعون المقدمة في الإنتخابات النيابية والإنتخابات الرئاسية. إلا أن هذا المجلس الذي أنشأ بتاريخ 15/7/1993 بموجب القانون رقم 250/93 لا يلعب الدور الرائد الذي يلعبه نظيره الفرنسي, إن من حيث أهمية الإجتهاد في المواد الإنتخابية أو من حيث مراقبة دستورية القوانين.  و في سياق هذا العدد الخاص بالإنتخابات, كان لا بد من الرجوع إلى السلطة القضائية المنوطة بمراقبتها والطعن بها.

تجدر الإشارة إلى أن هذه الدراسة تشمل أحكام المجلس منذ سنة 2001 واللتي تم نشرها في الموقع الرسمي للمجلس. وقد بلغ عدد الأحكام المتعلقة بالإنتخابات النيابية حوالي 43 حكم, فتوزعت على الشكل التالي: 14 مراجعة سنة 2000، 11 مراجعة سنة 2005، لتزداد وتيرتها في العام 2009 وتبلغ ال19 مراجعة. وأن إنحسار عدد المراجعات عام 2005 يعود فقط إلى تعطيل دور هذا المجلس خلال هذه السنة، فبتت المراجعات المقدمة عام 2005 في سنة 2009 أي بعد إعادة تشكيله و بعد إنقضاء العقد النيابي المطعون بصحته! وأن 43 مراجعة خلال 3 دورات إنتخابية لا يدل على « إقبال » نحو هذا المجلس, ويمكن إعادة ذلك إما لعدم الثقة فيه من ناحية إعتباره سلطة شبه سياسة وليس قضائية, اولناحية ضيق صلاحياته الإستقصائية وعبء الإثبات الذي يقع على المستدعي.

و بنظرة سريعة على مفاد الأحكام, يتبين أن المجلس لم يوافق على الطعن في النيابة إلا في حالة واحدة وهي قضية النائب كابريال المر الذي تم الطعن بنيابته من قبل المستدعية ميرنا المر- أي المرشحة ضده، فأبطل المجلس نيابته معينا غسان مخيبر بدلا منه (وهنا تجدر الإشارة إلا أن المرشحين المر نالا أكثر من ثلاثين ألف صوت في حين نال مخيبر أقل من ألفي صوت). إلا أن هذه القضية تندرج ضمن الإستثناءات « الظرفية » كون الطعن جاء في ظل وصاية أمنية معينة و لأسباب سياسية بحتة. وقد عمد المجلس إلى تصحيح عدد الأصوات في 12 حالة وذلك لسهوة في إحتساب قلمين في الكرك وبرج حمود في إنتخابات 2009، فتم زيادة الأصوات الغير محتسبة دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير في النتيجة. كما وذكرنا سابقا, لم يتطرق المجلس إلى الطعون في الأساس في 11 حالة كون العقد النيابي المطعون فيه كان قد مرّ!(2005)

وقبل التطرق إلى دراسة المعايير المعتمدة من قبل المجلس للبت بالطعون ودرسها في الأساس, تجدر الإشارة أن تشكيلة المجلس الدستوري لم تكتف في مراعاة التوازنات الطائفية فقط، و إنما ذهب المشرّع أبعد من ذلك من خلال فرض تبعية المجلس للطاقم السياسي، فيتم إختيار 5 أعضاء من قبل مجلس النواب وخمسة أعضاء من قبل مجلس الوزراء. وقد جاء في المادة الرابعة من قانون المجلس أنه « تنتهي ولاية نصف أعضاء هيئة المجلس الدستوري المعيّنة بعد صدور هذا القانون، بعد ثلاث سنوات من تاريخ قسم اليمين لجميع أعضاء المجلس الدستوري، ويجري اختيار هؤلاء بالقرعة ويُعيّن خمسة أعضاء بدلاً عنهم لمدة ست سنوات من قبل المرجع الذي اختار الأعضاء الذين سقطت عضويتهم بالقرعة » إلّا أن هذه المادة ألغيت مؤخرا بموجب القانون 242 الصادر في 22 تشرين الأول 2012 وذلك في تعد واضح على مبدأ المداورة. وإن إرتباط هذا المجلس بالسياسة يعطيه بعض الحصانات, فقد حاول النائب المر طلب رد أحد القضاة في النظر بقضيته، إلا أن المجلس رفض ذلك لعدم وجود هيئة قضائية من ذات النوع و من ذات الدرجة تستطيع البت بالامر و لأن « حرمة القضاء لا تسمح بان يكون حياد أعلى هيئة قضائية موضوع شك وريبة ».

 

ما هي المعايير الذي يعتمدها الإجتهاد؟

اما بالتدقيق مليا في القرارات, يتبين أن إجتهاد المجلس شبه ثابت عدا بعض الحالات التي يستغني هذا الأخير عن عاداته الإجتهادية بطريقة تستدعي الريبية و الشك في النوايا.

أول معيار يعتمد عليه إجتهاد المجلس الدستوري هو ان « …على الطاعن اثبات ما يدلي به من وقائع واقوال او على الأقل أن يقدّم بدء بيّنة جدية تمكّن المجلس من الإنطلاق في التحقيق بما ورد في إستدعاء الطعن من وقائع و أسباب. » إلّا أن المجلس وفي معظم القرارات لا « ينطلق في التحقيق » وإنما يعتبر أن ما تقدم به المستدع غير دقيق وغير مثبت بوثائق. فذهب حتى إعتبار محاضر الدرك عن شبوهات رشوة كدليل غير كاف (قضية سليم عون\إيلي ماروني قرار رقم 24\2009. )، كما ولم يأخذ المجلس بفعل توارد نفس الإتهام في عدة إستعدءات-إلا وهو تحويل مبلغ من البنك المركزي إلى بنك البحر المتوسط التابح لفريق 14 اذار فرع شتورى وإستعمال هذا المبلغ في الإنفاق الإنتخابي (وقد ورد هذا الخبر في أكثر من 3 مراجعات لنواب المنطقة). و من الغير منطقي  إعتماد هذا الإجتهاد كونه من الشبه مستحيل على المستدعي إيجاد بينات خطية تثبت بشكل قاطع المخالفات، و إن هذا المبدأ ليس صحيح قانونا إذ أن لمخالفات الإنتخابات (التزوير، الغش، الرشوة…) طابع جزائي و بالتالي لا يمكن للمستدعي تقديم البينات و إنما على القاضي ان يستقصي صحة الإتهامات. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المجلس لم يأخذ حتى في بيانات الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الإنتخابات (LADE) واللتي تتولى مراقبة العملية الإنتخابية، و لم يتخذ المجلس في ما ورد في تقريرها كبدء بينة وذلك في إطار عرض مسألة شراء الأصوات من قبل أحد المستدعين (قرار رقم 15\2008 قضية قاسم عبد العزيز\رياض الصمد ) « …أن التذرع بتقرير الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الإنتخابات والوارد فيه أن دائرة الشمال الأولى شهدت عملية واسعة لششراء الأصوات والضمائر, لا ينهض دليلا كافيا حريا بالقبول … »، مما يطرح السؤال حول ما إذا كان المجلس جدي فعلا في لعب دوره أو أنه يتملص من مسؤولياته!

أما على الصعيد الثاني، يعتبر المجلس أنه لا يكفي الإدلاء بحصول مخالفات معينة في العملية الإنتخابية حتى يترتب على المجلس النظر فيها, بل يجب أن تكون هذه المخالفات خطيرة و متكررة ومنظمة وأن يكون لها الأثر المباشر على صحة إنتخاب المستدعى ضده, كفوزه نتيجة لهذه المخالفات او على الأقل مساهمتها إلى حدّ بعيد في تحقيق الفوز له. وهذا المبدأ يعتبر كتشريع للواقع اللبناني الفاسد بحيث يجعل المخالفة البسيطة مسموحة! و لقد برهن المجلس الدستوري عن سلاسة « غريبة » في تقييم المخالفات, معتبرا مثلا العيوب في محاضر ووصول بعض الظروف مع فض الشمع الأحمر كمخالفة بسيطة لا تمس بصدقية الإنتخابات. كما وأقر المجلس أن كون « الفريقين خالفا القانون » لا يتطلب إتخاذ قرار جسيم بإبطال الإنتخابات  إذ أن ذلك يؤدي إلى « إنذثار » نتائج الضرر (مخايل الضاهر\هادي حبيش قرار رقم 31\2009).

ثالثا، يأخذ المجلس في الإعتبار الفارق في الأصوات بين ما ناله المستدعي والمستدعي ضده بحيث إذا كان الفارق كبيرا ولم يكن من شأن المخالفات أن تغيّر في هذا الفارق، لا يتوقّف المجلس عندها لعدم تأثيرها في النتيجة. و هنا يتبين وكأن الهدف من نشأة المجلس الدستوري هو الفصل بين المرشحين « الكبار » أو النافذين بدل ن أن يكون هدفه حماية المرشحين « الأكثر ضعفا », فيمكن إذا ظلم المرشح صاحب الأصوات القليلة دون أن يكون لذلك حسيب أو رقيب!

و مما تقدم, يتبين أن هذا المجلس – وبالرغم من الدور المناط به- يضع معايير شبه مستحيلة لإبطال الإنتخابات ليعود عنها في حقبات الضغوط السياسية كما حصل في قضية المر والتي لم تحوي مخالفات أهم من تلك التي عرضت في قضايا موازية. ومن أبرز الملاحظات التي يمكن إسنادها إلى عمل المجلس هو الإنتقائية بين المرشحين (أي أصحاب عدد الأصوات الأكثر) و التمييز بين المخالفات (أي إعتبار بعض المخالفات « بسيطة ») وعدم إجراء التحقيقات عند توفر بدء البينات. كما و أن الإجتهاد الدستوري مستقر على أن إعداد القوائم الإنتخابية والأخطاء التي تقع فيها هو أمر لا يدخل النظر فيه ضمن إختصاص المجلس مما يقيّد أيضا صلاحيات هذا الأخير. أخيرا, تجدر الملاحظة على أنه من المجدي إيجاد سلطة رقابية للإنتخابات بدلا من إيلاء المهمة على عتقة المجتمع المدني، فذلك سيسهل عمل المجلس لناحية إيجاد الإثباتات للتهم الموجهة ويضفي عليه شرعية شبه غائبة.

                                                                                                    لمى كرامة

                                                                                                    رئيسة الهيئة الإدارية

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s