الأجانب في لبنان… هذه الكائنات المخيفة

الأجانب في لبنان… هذه الكائنات المخيفة

« إنتحار » عاملة منزل، منع تجوّل للأجانب في المساء، منع إمرأة ذات بشرة داكنة اللون من الدخول إلى منتجع سياحي، كلها ممارسات من القرن الواحد والعشرين، لا بل من الأشهر الأخيرة، تندرج تحت عنوان واحد: التمييز العنصري. فبالرغم من مصادقة لبنان على الإتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، تبقى هذه الممارسات مستشرية دائما وأبدا في مجتمعنا وفي قوانيننا، لحد لفت نظر الإعلام العالمي والمنظمات الدولية.

القضية الأولى هي قضية « ماريا » (إسم مصتنع) التي أضاءت عليها صحيفة “L’Orient Le Jour”[1] وأثارات ردود فعل كبيرة في أواسط المجتمع المدني والإعلام. ماريا عاملة فيليبينية سقطت من شرفة منزل مخدومها -وهو ضابط « مرموق »، وتوفيت بعد أشهرمن المعاناة. فهي نقلت، لأسباب غامضة، من المستشفى الخاص إلى مستشفى حكومي، علما أن التأمين كان يغطي المصاريف، فتدهورت حالتها وتوفيت حتى دون التمكن من إعطاء إفادتها عما إذا كانت فعلا إنتحرت أم « إنتُحِرت » أو حتى الأسباب والظروف التي دعتها للإنتحار  (إذا إفترضنا أنها إنتحرت!). المؤسف أن ماريا ليست الأولى، ولا تبدو الأخيرة،  فعشرات العاملات « ينتحرن » في لبنان وسط غياب أي تحقيق جدي عن ظروف إنتحارهن.

القضية الثانية ليست بجديدة أيضا إذ أن هذه الممارسة إنتشرت خاصة بعد جريمة إغتصاب وقتل مريم الأشقر على يد عامل من التبعية السورية. فمع تزايد عدد اللاجئين السوريين وتدهور الحالة الأمنية لم تجد بعض البلديات الحلّ سوى في منع الأجانب – وطبعا عنوا بذلك ذوو الجنسيات « الفقيرة » وليس الأوروبيون مثلا!!- من التجوّل مساءا، فارضين بالتالي تمييز عنصري خطر يضع قرينة إتهام على الأشخاص وفق جنسيتهم. ألم يكن من الأجدى بهؤلاء فرض الأمن من خلال تعزيز الدوريات وبالتالي حماية المجتمع من السارق اللبناني والسوري والأميريكي على حد سواء؟ ففي مراقبة  بسيطة للخطاب العام منذ بدء توافد اللاجئين، يبدو وكأن هذا الحظر نتيجة طبيعية للتحريض العنصري السائد في الإعلام والبزارات السياسية! الجدير بالذكر أنه حتى القراءة القانونية التي إستند إليها رئيس إحدى البلديات كانت « مزوّرة »، إذ أنه إعتبر أن منع التجوّل يدخل ضمن صلاحياته إستنادا إلى المادة 74 من قانون البلديات، في حين أن المادة نفسها تنص على أنه لا يحق لرئيس البلدية أن « يتعرض للصلاحيات التي تمنحها القوانين والأنظمة لدوائر الأمن في الدولة » كمنع التجوّل، الذي يعود للسلطة العسكرية العليا أن تفرضه في حال اعلان حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية[2].

الضحية الثالثة هي « راحل »، شابة أثيوبية منعت من دخول مسبح ال »Saint George » لأسباب غير مبررة عائدة طبعا للون بشرتها الداكن. إلا أن راحل لم تجد من ينصفها سوى القضاء، فرفعت دعوى ضد المنتجع بالإستناد إلى التعميم الصادر عن وزارة السياحة المتعلق بالمساواة في استقبال الزبائن، وذلك بناءً على المرسوم 15598/70 لا سيّما الملحق رقم 4 (موجبات وشروط استثمار المؤسسات السياحية)، حيث تنص المادة الثامنة أن وزارة السياحة تذكّر « جميع المؤسسات السياحية من كل الفئات بوجوب مراعاة المساواة في استقبال الزبائن دون تمييز لجهة العرق أو المهنة أو الأشخاص ذوي الحاجات الخاصة المتمتعين بالأهليّة القانونية ». والجدير أن هذه الدعوى لما كانت ممكنة لولا وجود ناشطين من المجتمع المدني قرب المنتجع المذكور يوم توجهت راحل إليه. فقد أبرزت قضية راحل ممارسة جديدة في لبنان الا وهي ال »testing » وهي عبارة عن « كمين يقوم به أفراد من المجتمع لإثبات ممارسات عنصرية لمؤسسات معينة من خلال رصد معاملتهن للزبون « المختلف » الذي يتميز عن أكثرية أفراد المجتمع لسبب ملازم لشخصه كالأصل أو لون البشرة مثلاً. »[3]

في ظل هذه الممارسات تبقى الدولة صامتة، لا بل مساهمة في تعزيزها وقوننتها من خلال ضمانها لنظام الكفالة، وإصدارها لمشاريع قوانين تمييزية، كمشروع قانون العمل الخاص بعاملات المنازل الذي أعدّ في وزارة العمل، مكرّسا التمييز من خلال إعطاء « أنصاف » الحقوق لعاملات المنازل. وهنا نتساءل عن جدوى وجود هكذا قانون: فالقوانين الخاصة تهدف عادة إلى إعطاء حماية « أكبر » للفئات المهمشة وليس تقليص حقوقها! فلم الحاجة إذا في هذا الإطار إلى تخصيص عاملات المنازل بقانون خاص ؟ لم لا يطبق قانون العمل عليهن ؟ ألسن أولا، « عاملات »؟

القضايا الثلاث المذكورة انفا تسلّط الضوء على التمييز على أساس اللون والجنسيّة الذي يُعاني منه العمّال الأجانب في لبنان. إلا أن قضية راحل تضع بصيص من الأمل حول إمكانية محاربة هذا السلوك في المحاكم، وبالتالي حول جدلية دور القاضي في الدفاع عن حقوق الإنسان.

لمى كرامة

رئيسة الهيئة الإدرارية


Droit1(1) Droit1(2)

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s