القضاء العسكري: أي مساواة ؟ أي عدالة؟


في إطار الركائز الأساسية لدولة القانون، و المبادئ العامة للمحاكمة العادلة، يظهر مبدأ المساواة أمام القضاء المنصوص عليه في المادة ٧ من الدستور و في جميع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان و بأصول ألمحاكمات، و الذي يعطي لكل شخص الحق بأن يعرض دعواه على « القضاء الطبيعي ».
و ينتج عن الحق بالقضاء الطبيعي أولاً أنه لا يجوز محاكمة شخص معيّن أمام محكمة خاصة أُنشِئت خصيصاً لهذه الغاية، و ثانياً أنّ جميع المتقاضين يخضعون لنفس القواعد الإجرائية لإعطائهم نفس الفرص للدفاع عن أنفسهم. إلاّ أنه قد تنشأ حالات إستثنائية لهذا المبدأ،فتمنع قوانين خاصة عن المحاكم العادية صلاحية النظر في قضايا معينة لإدخالها في إختصاص محاكم إستثنائية. و من هذه القوانين الخاصة، قانون القضاء العسكري رقم    ٦٨/٢٤ الصادر في ١٣ نيسان ١٩٦٨ الذي يدخل في الاختصاص الحصري للمحاكم العسكرية القضايا ذات الطابع العسكري. و تُحظى هذه المحكمة بقدر كبير من الاهتمام على الصعيد القانوني بسبب أهمية الجرائم الداخلة في اختصاصها،جرائم لها طابع أمني و لكونها تمّس بمؤسسة تتسم بهذا الطابع. إلاّ أن هذه المحكمة، نظراً لوسع إختصاصها و لنظامها المختلف بشكل لافت عن نظام المحاكم العادية و نظراً لعدد الفضائح الاعلامية و السياسية التي تعرضت لها، اصبحت, أثارت جدلا واسعا ,بحيث تعدّدت المطالبات لإلغائها و تمّ عرض عدة مشاريع تعديل لهذا القانون لم يأخذ أي منهم طريقه. و من اهم اسباب هذه المطالبات التي سنعرضها بالتفصيل هي كون القانون يتيح محاكمة المدنيين أمام المحكمة العسكرية و اعتبار البعض (القانونيين و غيرهم ) أن ضمانات ممارسة حق الدفاع ليست متوفرة بشكل كافٍ, هذا بالاضافة الى أن بعض القضايا أظهرت ملاحظات معينة حول مدى موضوعية هذه المحكمة و امكانية انحيازها  مع تلويح بفساد ما يدور في أروقتها.

فيما يتعلق بالصلاحية النوعية لهذه المحكمة، فتتعلّق بالجرائم الواقعة على أمن الدولة (الخيانة، التجسس، الاعمال الارهابية..) و التي تمسّ بمصلحة المؤسسة العسكرية (التملّص من الواجبات ، الجرائم المخلة بالشرف و الواجب و بالانضباط العسكري..) و من الطبيعي أن يدخل هذا النوع من الجرائم ذات الخطورة الشديدة باختصاص القضاء العسكري إذ ان المس المباشر بأمن البلد يعلل عدم خضوعها للمحاكم الجزائية العادية.
المشكلة الاساسية تظهر على صعيد الصلاحية الشخصية. فمن ناحية، تنصّ المادة ٢٤ من قانون القضاء العسكري على ما يلي:  » يختص القضاء العسكري بالجرائم الواقعة على شخص أحد العسكريين  » . المساس بشخص العسكري من شأنه الاضرار بشكل مباشر او غير مباشر بمصالح المؤسسة العسكرية المُنتمي إليها ، ممّا يفسّر محاكمة المُدّعى عليه أمام هذه المحكمة. إلاّ أن هذه المحكمة توسّعت في مفهوم « العسكري بشخصه » لتشمل أمواله الخاصّة، فيُحاكم أمام المحكمة العسكرية  كل متعدي على أموال العسكري بالرغم من أن هذا التعدي لا يطال و لا يضّر مصالح المؤسسة العسكرية. و من ناحية أخرى يُدخل أيضاً القانون في اختصاص هذه المحكمة الجرم المُرتكب من العسكري و المتّصل بالوظيفة، أي أن الوظيفة وفّرت ظروف ارتكاب الجريمة أو أسبابها. إلاّ أن القضاء العسكري لا يأخذ عملياً هذا المعيار و يلاحق العسكري بمجرّد ارتكابه أي جرم كان حتى لو لم يتعلّق بالجريمة. و أكثر من ذلك، يُحاكَم أمام هذه المحكمة مع العسكري، كلّ فاعل أصلي أو شريك أو متدخّل أو محرّض قي هذه الجريمة غير المتعلّقة بالوظيفة لعلّة التلازم. نلاحظ إذاً أن الصفة العسكرية اشخص المدعي او المدعى عليه وحدها كافية لاعطاء الصلاحية للمحكمة العسكرية بغض النظر عن طبيعة الجرم او ظروف ارتكابه. و هذا التوسّع في الصلاحية مخالف للمبدأ القانوني العام القائل أن أي تفسير للنصوص المتعلقة بصلاحية قضاء متخصص او استثنائي يجب أن يتم بصورة حصرية ، و دائماً لمصلحة القضاء العادي عندما يعتري هذه النصوص أي إبهام أو عدم وضوح.

فيما يخصّ الاجراءات و الاصول المُتبعة، فإنها تتميّز بطبيعة خاصة فرضتها النصوص, و تظهر هذه الخصوصية في ثلاثة أمور:
أولاً: بينما أجاز القانون في الاحوال العادية للمتضرّر ممارسة الدعوى المباشرة و تقديم الدعوى المدنية أمام المراجع الجزائية مُحرّكاً بذلك الدعوى العامة، و سامحاً بذلك للمحكمة الجزائية أن تنظر و تفصل في الدعويين العامة و الخاصة؛ فإن قانون القضاء العسكري جاء في المادة ٢٥ ليحصر  » صلاحية المحكمة العسكرية في أي درجة كانت بدعوى الحق العام دون دعوى الحق الشخصي ». طرفي النزاع أمام المحكم العسكرية هما إذاً النيابة العامة و المُدعى عليه فقط، و اكثر من ذلك، فإن المتضرر لا يجوز الاستماع إليه كمُدّعي بل على سبيل المعلومات، و عليه انتظار صدور قرار المحكمة العسكرية ليتقدّم بعد ذلك بطلب العطل و الضرر أمام المحاكم المدنية. و دعوى المتضرر أمام المحاكم المدنية بدايةً و استئنافاً و تمييزاً تستغرق وقتاً طويلاً و مصاريف كبيرة يحيث يصبح مبلغ التعويض المُقرّر مع مرور الزمن غير متناسب مع الضرر الفعلي.
ثانياً: إن التحقيق الابتدائي العسكري يقتصر على درجة واحدة أمام قاضي التحقيق العسكري لعدم وجود هيئة اتهامية التي تُعتَبر قضاء الدرجة الثانية في التحقيق و ضمانة إضافية لممارسة حق الدفاع (إذ أنها تمارس حق التصدي و تنشر التحقيق أمامها مجدّداً و يُطعن أمامها بقرار الاتهام الصادر عن قاضي التحقيق..). و سبب ذلك يفسر بكون طبيعة القضاء العسكري و صلاحيته في الجرائم ذات التأثير على الامن الداخلي و النظام العام, تستوجب اعتماد العجلة القصوى في التحقيق و الحكم.و قد يكون هذا السبب مُعلّل لو كان اختصاص المحكمة ضيّق. و لكن مع النطاق الواسع لاختصاصها, لم يعد هذا السبب مُبرَّر و يجعل المدعى عليه يخسر ضمانة أساسية من حقوقه أمام قضاء التحقيق..
ثالثاً: إن المحاكم العسكرية هي الوحيدة بين المحاكم الجزائية في لبنان التي تطبّق القاعدة القائلة « باستمرار المحاكمة حتى صدور الحكم » أي أنه فور إعلان الرئيس اختتام المحاكمة، ينتقل القضاة الى غرفة المذاكرة و تتم صياغة الحكم مباشرةً و إصداره في اليوم نفسه و هذا التسّرع يدلّ على عدم التعمّق في دراسة القضية ممّا يشكّل ضمانة ناقصة لحكم عادل. و بينما تكون المحكمة الجزائية العادية ملزمة بتضمين الحكم ملخّص وافٍ للوقائع و ملخّص المطالب و الدفاع، و ملزمة بتعليل الحكم تعليلاً كافياً و وافياً؛ قالمحكمة العسكرية تعطي لحكمها صيغة مختلقة بشكل كامل: فالحكم الذي تصدره يأتي على أوراق مطبوعة و جاهزة تتضمّن عدداً من الاسئلة تحتاج الاجابة عليها في معظمها بكلمة نعم أو لا، و من بعدها تلخّص المحكمة بفقرة حكمية تقضي بموجبها بالتجريم أو عدمه. كما أن بيانات الحكم الالزامية المنصوص عليها تحت طائلة البطلان لا تُدخل في تعدادها أي إشارة إلى أسباب الحكم فتختلف درجة تعليل الاحكام العسكرية باختلاف موضوع الدعوى و باختلاف القضاة و المحاكم، و قد يصل الوضع أحياناً إلى افتقار التعليل كلّياً! و من المعروف أن أهميّة التعليل تكمن في السّماح لمحكمة التمييز بممارسة رقابتها على الاحكام ، الامر الذي يعد اصعبا بالنسبة للحكام العسكرية..ممّا يشكّل تجواز لحقوق المتّهمين..

و جاءت الممارسة في القضاء العسكري لتضخّم هذا التجواز و تظهر المحكمة العسكرية كمحكمة غير موضوعية.بالرّغم من كثرة الفضائح التي تعرّضت لها، سنأخذ مثلاً واحداً، رواية نور مرعب، مواطن لبناني و ناشط حقوقي لاعنفي تعرّض لاستبداد هذه المحكمة و أنهى حياته بعد الحكم عليه بطريقة غير عادلة : بينما كان خارجاً من عمله، تعرّض لاعتداء (ضرب شديد) من قبل شخص هو عنصر عسكري، فدافع عن نفسه و تشكّى أمام الشرطة العسكرية. ادّعى العسكري في تحقيق الشرطة (دون أن يملك أي دليل يثبت ادعائه) أن نور شهر سكيناً فقام هو عندئذٍ بمهاجمته دفاعاً عن نفسه.أجرت الشرطة تحقيقاً في الموضوع ووجدت أن المسؤولية تقع على عاتق العسكري و جاء في التقرير : »لم يتبيّن في التحقيق إقداماً على شهر سكين عليه » . و لكن بالرغم من ذلك قرّرت قيادة الجيش و القضاء العسكري بعد مراجعة النيابة العامة تحصيل مبلغ مصارفات و بدل تعطيل العسكري لمدة ٦ أسابيع لكسر في اصبعه، و تمّ إلزام نور بدفع هذا المبلغ الذي رفض كونه هو المُجنى عليه. و تمّ اتهامه و تحويله أمام المحكمة العسكرية الدائمة دون المرور بقاضي التحقيق و من دون أدلّة بشهر السكين. حضر نور الجلسات و تمكّن من الاثبات أن العسكري لم يرى سكيناً( رغم ان الاثبات يقع على عاتق المدّعي!) و لكن في النهاية صدر قرار المحكمة بسجنه و تغريمه!
و أخيراً، في ظلّ تعدّد الآراء و المطالبات حول هذه المحكمة، من طلب الغائها، الى طلب تضييق صلاحيتها، الى طلب إبقاء الصلاحية على وضعها مع إمكانية النظر في دعوى الحق الشخصي و مع إنشاء هيئة اتهامية، تبقى العبرة أن القضاء العسكري هو قضاء خاص بمؤسسة لها طابع ، و بالتالي يكون حرمانها من هذا القضاء عائق لتأدية دورها في المحافظة على سيادة الوطن و مناعته ، و لكن من المهم ألاّ يبقى هذا الدور يشكل مفر من القانون و عذر لتجاهل الاصول الاساسية لمحاكمة عادلة..

أندريا أبي نادر

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s