أكل تطوع يستحق التقدير؟

توقف لحظة، وعد أدراجك مع التاريخ وصولاً إلى عام ١٩٣٩، حينما أعلن هتلر رغبته في القضاء على اليهود وأرسل جيشه طليقاً ليفترس الضحية.
توقف لحظة، وتخيل… تخيل الويل والهلاك والدمار عبر الدخان الأسود القاتم… تخيل صرخة الألم وصلاة القلب برفقة صوت طلقات النار المرعب… تخيل رائحة الدماء وهمسات المجهول… تخيل اضطراب النفوس…
وها هو شبح الموت جاء ليخطف الأنفاس…فيعم الصمت…
والجنود أمسوا وحوشاً تستهزئ بالحياة وتفرح بالموت.

الحرب النازية هي من أكثر ما يمكن للعقل أن يتخيله من عذاب وقساوة ومأساة. لكن وسع أفق خيالك بعض المزيد، لأن ردة فعل ألمانيا تتعداها أسفاً وحزناً. فأمام هذا المشهد المؤلم، اختارت ألمانيا عدم معاقبة مجرمي زمنٍ اقترفت فيه أسوأ أنواع الجرائم، بل مكافأة وإعالة من تطوع لقتل أخيه الإنسان وحرمانه من الحياة.
بعد مضي ٧٠ عاماً على الحرب، لا تزال ألمانيا تعيل بعضاً من المتطوعين الإسبان في جيش هتلر. ينتمي هؤلاء إلى قسم الجيش النازي الشهير « Blue Division » المعروف بإسم « القسم الأزرق » أو

وشكلوا، إلى جانب الكثير غيرهم من الاسبان، جيشاً يتألف من ٤٥٬٠٠٠ فرداً، تقدم ليغزو روسيا ويحارب الشيوعية .
خطة الإعالة المعيشية وضعت عام ١٩٦٢. وحتى اليوم، تقوم ألمانيا بتقدمة إعالة سنوية، ترتفع قيمتها إلى ما يقارب ١٠٠،٠٠٠ يورو، وذلك إلى ٤١ ناجٍ من أولئك المتطوعين، إضافةً إلى أفراد عائلات بعض الجنود وهم ٨ أرامل وطفل يتيم.
تصر ألمانيا على اعمالها بالرغم من الانتقادات المختلفة التي وجهت إليها حتى من إسبانيا نفسها، إذ لم يتردد أحد وزراء إسبانيا بالإشارة الى « العار » الذي تتسم به أعمال ألمانيا و »الإهانة التي تلحق بضحايا الحرب ». فعلاً! فكيف للحكومة الألمانية أن تقوم بإعالة المجرمين في حين أنها لم تعوض عن اضرارخلفتها في عددٍ من البلدان التي احتلتها خلال الحرب ؟
لكن ماذا ينفع الكلام إذا كان صمت الاعمال أقوى من صدى الكلمات؟ إنه يتلاشى دون ترك أي أثر… أما الأسوأ فهو الخضوع لأعمالٍ مماثلة وإعطاء الحق لمن أخطأ. في ٣ شباط ٢٠١٢ مثلاً، قررت محكمة العدل الدولية أن ليس من حق المحاكم الإيطالية مطالبة ألمانيا بالتعويض عن الأضرار التي سببتها خلال الحرب، والتي تعتبر مخالفة لحقوق الإنسان. بالمقابل، اقرت المحكمة بحصانة ألمانيا الدولية. صحيح أن قواعد القانون الدولي العام وسيادة الدول وإستقلالها قد تبرر هذا القرار وتسمح بحرمان أصحاب الحق لمكافأة المجرمين. لكن أليس هناك من مكان لسيادة العدالة؟ فمقابل ما يراوح ال ٤٠٠،٠٠٠ قتيل،لا بد من وجود ثغرات واستثناءات تسمح بالعمل من أجل حماية حقوق الإنسان.
عند إنتهاء الحرب العالمية الثانية، تولى الحلفاء مهمة إعادة تأهيل المجتمع الألماني بعد مروره بسنواتٍ عديدة تغزوه أفكار التعصب، لكن لا يبدو أن حكومة ألمانيا قد تحررت من هذه الافكار.
لطالما كان هتلر يردد أن معظم الناس يقرأون التاريخ دون أن يتعلموا منه البتة. لعله لذلك نقف شهوداً أمام  » تاريخ يعيد نفسه « . لقد قامت ألمانيا سابقاً، عام ١٩٩٧، بتقديم مساعدات مالية لعدد من مجرمي الحرب، واليوم تعيد الكرة من جديد. إلى أي مدى سيتمكن التاريخ من فرض نفسه والانتصار على الواقع؟
توقف لحظة، وسابق الزمن، وتخيل

كارلا غرزوزي
طالبة ثالث سنة حقوق

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s