يوحنّا بولس الأوّل وضجيج الصّمت

البابا يوحنّا بولس الأوّل، المجهول للغالبيّة، وضع في ثلاثةٍ وثلاثين يومَا ركائز ثورةٍ ضربت التّقاليد البابويّة، وبثّ نبضًا جديدًا في الكنيسة وشنّ حملة إصلاحٍ فيه، فقوّم طريقًا سار خلفاؤه عليها

لطالما ترافقت لفظة الكنيسة مع سيلٍ من الإنتقادات وكمﱟ من التّعليقات الّتي كانت ولا زالت تصبّ برأسها الزّمني الممثِّل في صورته وحدَتَها. ولمَ العجب، فمؤسّسة هرميّة عالميّة متشعّبة مماثلة غالبًا ما تكون في وجه الرّيح، وفي مهبّها أيضًا. وهل تحسد على « الرّياح » العاصفة بها من اختلاف ثقافات المؤمنين وابتعاد الأفراد عن توصياتها ورفضهم للذّات الإلهيّة الّتي تكرّمها …؟ وأكثر بعد، على انقسامها على نفسها.

وإن صبّ التّركيز على البابا فرنسيس وأخباره فذلك لأنّه رأسٌ واحدٌ لكنيسة واحدة (خلافًا للمعتقدات المسيحيّة الأخرى كالبطريركيّات الأورثوذوكسيّة الخمس والمذاهب البروتستانتيّة المتعدّدة)، كنيسة طبعت تاريخ الغرب، توسّعت وتقلّصت في حدوده ورسخت فيه لتطال الشّرق ولبنان وإن يدوّي صدى أقوال وأفعال الحبر الرّوماني الأوّل في المعمورة اليوم ما يعطي صورة عن الكنيسة تطلبها الرّعايا وسواها ويسعى الكرسي الرّسولي لنشرها والإلتزام بها، يبقى هذا الصّدى تردادًا لممارسات جندي مجهول للغالبيّة : يوحنّا بولس الأوّل، البابا الثّالث والسّتّين بعد المئتين على كرسي بطرس.

ثلاثٌ وثلاثون يومًا على السّدّة البابويّة لم تكفِ لتحقّق لألبينو لوتشياني شهرة كونيّة رافقت البابوات لتستر هويّته وعمله في ظلّ أسلافه وخلفائه. فخطّ الزّمن بين انبعاث الدّخان الأبيض في 26 آب 1978 علامة انتخابه و 28 أيلول من السّنة عينها صدمة إعلان ميتته يعدّ من الأقصر ببالنّسبة لحسابات مماثلة.

وفي الحساب أيضًا، يتشابه العدد بين أيّام « يوحنّا بولس الأوّل » (كبابا) وسنين السّيّد المسيح على الأرض ليتمّ الإستخلاص أنّ هذا الرّقم يولّد ثورة ضمنيّة روحيّة هادفة ذات مدى بعيد.
و ثورة بابانا المذكور ضربت التّقاليد البابويّة. فحتّى آخر أيّام البابا بولس السّادس، مع تطوّرات طفيفة، كان بالإمكان تصوير أسياد حاضرة الفاتيكان بنمطٍ ثابت، يتطابق مع كلﱟ منهم : الأحبار، بأرديتهم وقلنسواتهم البيضاء وأحذيتهم الحمراء وتيجانهم المثلثة، يتنقّلون في هودج، محمولين على الأكفّ… وكلّ ذلك في حدود الدّولة-المدينة. وليس في ذلك أيّ انتقاد لخلفاء بطرس، بل عرضٌ عن الحال سابقًا لمقابلتها مع ما سيصار إلى تغييره مع لوتشياني.

تخلّى عن الصّورة الّرخاميّة والهالة المحيطة بأصحاب القداسة ليصبح بابا الإبتسامة

فهذا الأخير ترك بصمته في التّقاليد البابويّة إلى الأبد. فقد تخلّى عن الصّورة الّرخاميّة والهالة المحيطة بأصحاب القداسة ليصبح « بابا الإبتسامة » في عيون الإيطاليّين والكاثوليك غير آبهٍ بسواد أحذيته وبالتّاج المتواضع للإحتفال بالأسرار.حتّى أنّه ألغى دور الهودج إلّا في قدّاس تنصيبه إذ االتزم به كي تراه الجموع بناءً على طلب مدير المراسم.

19780923PossessodellaCathedraRomana_018_zpsd6441a2a
البابا على الهودج في قدّاس تنصيبه – Image by © Gianni Giansanti/Sygma/Corbis

دار مشروعه حول هدم الهيكليّة شبه المستقلّة للمصرف ورغبته بضخّ دمٍ جديد فيه

بيد أنّ إنجازات البابا يوحنّا بولس الأوّل لم تقتصر على ما ظهر للعيان ليشنّ حملة إصلاح على بنك الفاتيكان ما ساهم في تأجيج شائعات قتله نظرًا لولايته المقتضبة وإصلاحاته الفاعلة. قصدت هذه الحملة « أهل البيت » ناكري الفضل، خاذلي الأمانة. لقد استفاد هؤلاء من الثّقة الّتي استحقّوها في الأساس ليستفيدوا أنفسهم ويفيدوا مفيديهم. في الأمر صفقات سرّيّة، فسادٌ متشعّب، قضايا اختلاس وغيرها من ممارسات همَّ رجال الكنيسة التّصدّي لها. وكان هذا الأوّلُ الأوّلَ لذلك وليعطيَ « لقيصر ما لقيصر » حتّى أضحى انتخابه، البشرى السّارّة للمدينة والعالم، خبرًا تعيسًا للقيّمين على المؤسّسة لأجل الأعمال الدّينيّة المعروفة باسم بنك الفاتيكان. قد ضلعت هذه المؤسّسة بإحدى أشهر الفضائح المصرفيّة في العصر الشّائعة باسم بنك أمبروزيو حيث ظهرت مشاركة مشتركة بين المؤسسّة المصرفيّة الفاتيكانيّة والمافيا الإيطاليّة. ولمّا تناهى الأمر إلى علم الأب الأقدس عمد إلى وضع خطّة إصلاحيّة جذريّة تقي الكثلكة والعالم شرّ المستغلّين. دار مشروعه حول هدم الهيكليّة شبه المستقلّة للمصرف ورغبته بضخّ دمٍ جديد فيه، بريءٍ من الفكر الملتوي، يناسب رؤيته ويرقى بفلس بطرس لدرجة التّعاليم البابويّة.

         أضحى انتخابه، البشرى السّارّة للمدينة والعالم، خبرًا تعيسًا للقيّمين على المؤسّسة

ورقد يوحنّا بولس الأوّل على رجاء القيامة. وتحقّق أثره الإصلاحي على يد خلفائه. ففي حين لم يعدّل خلفه المباشر القدّيس في المناصب فورًا ليكسر رسوخ فكرة اغتياله بل ترك الدّور للأيّام، أعلن البابا فرنسيس منذ أيّام بابويّته الأولى عزمه على تحقيق انجازاتٍ تسجّل في هذا الموضوع.

وبعد، لم يكتف عظيم الأحبار بأيّامه ليدخل الكنيسة والعالم في دوّامة التّجديد ورفض الستاتيكو الّذي هدّد ديمومتهما ليكون مصدر الوحي الأوّل لخلفه البابا يوحنّا بولس الثّاني القدّيس بعد الكتاب، والعبرة من الإسم.

إسمٌ حفظه التّاريخ حُفِرَ على صخور كنيسة اعتادت الاضطهادات وترجم كلّ يوم بحجارة الاتّهامات والمعارضة. وطالما أنّ الدّين موضوع شائك كثير الحساسيّة سهُل الأمر، ويسهل أكثر مع هفوات أو خيارات بعدم معالجة أو متابعة قضايا مصيريّة.

Popes-John-Paul-I-Francis

وصورة البابا فرنسيس الواعدة في البناء والتّرميم والإزدهار والتّوسّع والإختلاط والتّقارب… والّتي تعكس الأعمال الصّالحة والفضائل والنّعم تلقى ضجيجًا واسعًا. ولعلّ ذلك ترداد صمت الصّدى الّذي لاقته ممارسات بابا من هذا الوقت وخارج هذا الزّمن.

مارون فرحات

 طالب سنة ثانية للحقوق

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s