« عودة النبض  » … بقلبٍ جديد

يعتبر الموت من أبشع الصور وأحلك الظلمات. وبعيداً عن الماورائيّات الدينيّة المريحة، تظهر عمليّة وهب الأعضاء اليوم كنفحة حياةٍ وأملٍ . وهذه الظاهرة شهدت تطوراً ملحوظاً عالميّاً ومحليّاً في الفترة الأخيرة. ويبدو أنّها بدأت تتغلل شيئاً فشيئاً  في ثقافة اللبنانيين. وتشير المنسّقة الوطنيّة للهيئة الوطنيّة لوهب وزرع الأعضاء والأنسجة فاديا يونان في حديث لنا معها أنّ عدد الواهبين في لبنان وصل إلى ١٢ في السنة الواحدة، لكنّه تقهقر بسبب النقص في تعديل القوانين وقلّة تعاون الإعلام والعاملين في القطاع الصحّي، بالإضافة إلى حجب التمويل من الدولة لمدّة سنتين ممّا سبّب تراجع البرنامج لعدم قدرة الهيئة على متابعة حالات الوهب في المستشفيات.

إنّ عمليّة وهب الأعضاء هي من أكثر العمليّات الجراحيّة تغييراً في حياة المريض. وبمناسبة اليوم العالمي لوهب الأعضاء، زرنا مريضاً انقلبت حياته رأساً على عقب بفضل عمليّة زرع لقلبه سنة ٢٠٠٩ بينما كان يتأرجح بين الموت والحياة.

المخاطرة كانت كبيرة، خصوصاً أنّ هذا النوع من العمليّات كان ما يزال في بداياته في لبنان يومئذٍ؛ لكنّ فادي كان كلّه  أمل بالشفاء.

« كنتُ بحالةٍ يرثى لها، لم أكن أستطيع أن أتحرّك، ولا أن آكل، كنت في فراشي طوال الوقت »، يقول فادي متّى.

كان شاباً في مطلع عمره، متزوجاً وأباً لطفلة صغيرة.

« بدأت مشكلة القلب لديّ بسيطة سنة ٢٠٠٠ وتأزّمت تدريجيّاً حتّى تراجُع عضلة القلب إلى ٨٪‏ سنة ٢٠٠٩ ».

وهنا انحصرت الخيارات باثنين: إمّا الموت أو زرع قلب جديد. فكيف تلقّى فادي خبر حاجته إلى قلب جديد وهل توقّع أن يوهب قلباً؟

« كانت صدمة » ويخفت هنا صوت فادي وكأنّه بغصّةٍ يتذكّر تلك اللحظة. ويكمل، « كنت في مطلع عمري، كانت لديّ أحلامي، طموحاتي ومسؤوليّاتي… ككلّ شاب، ولم أتوقّع أنني قد أحتاج إلى زرع قلب ».

وبعد لحظة الصدمة هذه، وبعد تدارك الأمر، تعود نزعة البقاء إلى جانب الإيمان ليزرعا الرجاء في نفس المريض المحارب. « الحمد لله أنّني تخطّيت هذه المرحلة الأليمة، كنتُ واثقاً من القيامة، متأكّداً من أنّ العمليّة ستُجرى لكنّي لم أكن أعلم متى ».

موقفه كان جبّاراً، ايجابيّته مذهلة، فالطبيعي في هكذا حالات أن يكتئب المريض، أو  على الأقلّ أن يخاف، فهل كانت العائلة السرّ وراء الصمود؟

« لعائلتي كلّ الفضل في منحي الزخم والمعنويّات وفي تعزيز الأمل والرجاء في نفسي، خصوصاً أنني لم أكن أستطيع أن أمارس دوري كأب  مع طفلتي ».

رحلة البحث عن قلبٍ بديل تتطابق أنسجته مع القلب المريض ليست سهلة وعقباتها متعدّدة كرضى الواهب وذويه وخلوّه من الشوائب وغيرها من مستلزمات الشروط الطبّية والقانونيّة.

فبين بصيص النور والخيبات، خلاص فادي ثبت  في المحاولة الثالثة.  » تلقّيت الخبر ٣ مرّات، في المرّة الأولى اتّصل بي الطبيب فغمرتني الفرحة،  وبعد توافر الشروط الطبّيّة فشلت عمليّة وهب القلب بعد رفض أهل الواهب.

في المرّة الثانية، كان العكس صحيحاً إذ وجد شرط الرضى لكنّ قلب الواهب لم يكن خالياً من المشاكل، لذا فضّل الطبيب عدم المخاطرة.

أمّا الثالثة، فكانت عندما شعرت بالتعب وكالمت طبيبي  في الوقت الذي كان على أهبة   التواصل معي ليخبرني أنّ قلباً ينتظرني. كانت لحظة سعادة، بداية الخلاص، تمنّيت أن تكون الثالثة ثابتة وكنت متفائلاً جدّاً هذه المرة. وهكذا حصل! »

غبطة الشفاء وصخب الحياة قد يُنسيان المرء  بشاعة الموت ووجعه: فكرة فناء شخص افتدى بأعضائه فادي.  فهل يفكّر فادي بالواهب الفادي؟ هل يصلّي له؟ هل التقى بذويه؟

وبغصّةٍ واضحة يقول « أصلّي له  كلّ ليلة، أضيء الشموع لراحة نفسه في زياراتي الدينيّة ». تتمازج الأحاسيس لدى المستمع، فيكمل فادي،  » أنا لا أعرف عن الواهب شيئاً، لا اسمه ولا شهرته ولا أهله، لا دينه ولا عرقه… لكنّي أعلم جيّداً أنّه إنساني، أنّه متفاني، أنّ قلبه ينبض  في داخلي حياة. هو وهبني أغلى ما لديه، وهبني قلبه، وأصبح جزءاً مني، من حياتي الجديدة، من مستقبلي، وبدوري اتخذت عهداً بأن أحافظ عليه وأن أهبه الى جانب سائر أعضائي لمن بعدي ».

– « هل تغيّر شيء فيك بعد أن تغيّر قلبك؟ « 

صحيح أنّ العاطفة هي رسالة عصبيّة من الدماغ، لكن بما أنّه من المتعارف عليه تجاريّاً أنّ القلب مصدر الحبّ والعاطفة، فهل تغّيرت بعض من أحاسيس فادي أو عاطفته بعد عمليّة زرع القلب الجديد؟

يجيب فادي، « لقد تغيّرت حياتي… عدتُ الى حياتي اليوميّة، أصبحت كأيّ شخص عادي، أستطيع أن أتحرّك، أن أمشي أن أضحك، وأن أعمل… أن أعيش! لكنّ شيئاً لم يتغيّر  في داخلي … فالقلب ما هو الّا مضخّ الدم في الجسم، لا علاقة للحب و العاطفة والأحاسيس فيه… فأنا كنت متزوجاً ومازلت… مازلت أحبّ زوجتي وأولادي …

لا بل أستطيع أن أقول إنّ حبّي لمن حولي يزداد يوماً بعد يوم ».

لقد أخبرنا فادي في أوّل حديثنا معه أنّه تعهّد بوهب أعضائه، فما هي رسالته لمن يتردّد أو يرفض الأمر؟

« زوالنا كبشر محتّم، بدلاً من فناء اعضائنا ، بدلاً من أن تنقدها الديدان، نستطيع بموتنا أن نزرع حياة… فلنفكّر  في الأعمى الذي يتوق الى النور،  في الأب الذي يحتاج إلى كبد ليتعافى ويستعيد نشاطه ويعيل عائلته…

صحيح أنّ لحظة حسم قرار إيقاف حياة انسان نهائياً صعبة للغاية، لكنّ فكرة زرع الحياة في أشخاص آخرين منتصرة ».

وبعد الرسالة وقبل أن تنتهي الزيارة، كان سؤالنا الأخير لفادي عمّا إذا تلمّس سلبيات لعمليّة وهب وزرع الأعضاء، وكان جوابه  شهادة حيّة  في وجه المتردّدين ومنتقدي هذه العمليّة، فلقد أنهى فادي قائلاً: « ككلّ عمليّة جراحيّة، تترافق معها أوجاع، لكن هذا لا يمكن أن يكون حاجزاً  أمام إجرائها. ومهما انتقدها البعض ، لا يمكن إلّا أن أرى فيها ايجابيّات، فأنا قبل أن أجريها كنت في كلّ لحظة أتنفّس الموت، نفٓسي كان ميتاً، لكنّ هذه العملية انتشلتني من الموت المحتّم وأعادتني إلى الحياة… ».

وينتهي الحديث المشوّق والمليء بالتقلّبات العاطفيّة بحيث يشعر المتلقّي أنّه عاش فترات الموت والشفاء بخيباتها وقنوطها، بأملها وفرحها، مع الرجل الذي كُتبت له حياة جديدة وفرصة جديدة، بقلبٍ جديد. ليصبح عبرةً للصمود والأمل والرجاء ككلّ مريض حارب وانتصر بمساعدة الواهب والطبيب والعائلة؛ فيُعَنوِن محور حياته بكلمتين « العطاء والحبّ ».

فيرينا العميل

طالبة في الحقوق

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s