العلمانيّة من وجهة نظر مسيحي مؤمن

لئلّا  يولّد العنوان أيّ حيرة أو انزعاج أو خوف أو تردّد أو تهجّم أو غيرها ممّا يمكن له أن يولّد، نبدأ بالسّلام. فالسّلام في المسيحيّة والعلمانيّة سواء. وليس السّلام وحده القاسم المشترك بينهما ؛ والسّلام على من أراد القسمة، والسّلام على من رفض هذه الحقيقة.

ونركّز على اسم الإشارة « هذه » إذ إنّ الحقيقة المذكورة ليست تلك المطلقة، ولا تعبّر إلّا عن رأي مدوّنها ومن هم من رأيه ولا أحد غيرهم – على الإطلاق. ومن هؤلاء صديقة طرحت موضوع المقال، اختلف إيمانانا ولم تختلف مبادؤنا.

ولمّا ربطت العلمانيّة بالتّحرّر حتّى الانفلات والكفر، وربط الإيمان بالتّخلّف والرّجعيّة، حسنت العودة إلى أصل المفاهيم.

العَلمانيّة –بفتح العين- مشتقّة من العَلم، أي العالَم، للإشارة إلى ما هو دنيوي،    دهري، غير ديني. وأوجدت في اللّغة العربيّة كتعريب للفظتي الأعجميّتين Laïcité  و secularism.

لم تطبع العَلمانيّة تاريخ البشريّة في عصوره المختلفة إذ إنّ تكريسها الفعلي كان في قانون عام 1905 في فرنسا الّذي يفصل الكنيسة عن الدّولة. ولم يأتِ هذا الفصل وليد ساعته، بل نتيجة خلافات بين السّلطات الدّينيّة والدّنيويّة ورغبةً في الحدّ من تدخّلات الجماعة الكنسيّة في قضايا الدّولة. وبقي الإيمان بريئًا من دنس هذا الصّراع لأنّ الإيمان هو، باختصار، التّصديق أو الاعتقاد. وينعكس الايمان على أفكار ومبادئ محدّدة كاللّاهوت مثلًا والعَلمانيّة والإنسانيّة واللّاأدريّة…

حقًّا حاولت الكنيسة شيطنة الفكر العلماني عند نشوئه، بيد أنّها عرفت أنّه نشأ كحركةٍ موازية لتوسّع وتحرّر العقل البشري أوّلًا وكردّة فعل على تصرّفاتها خاصّةً، وأنّ قمعه سيرتدّ عليها ويؤدّي إلى ما وصل إليه لوثر وكالفن في معاداتهما للعقائد واتّهامهما للكنيسة بالتّبعيّة.

حقًّا عرفت أنّ المجتمعات تخلّت عن شكلها التّقليديّ ونبذت فكرة التّضحية بالفرد على حساب الجماعة ليصبح الفرد في الجماعة هو محورها، وأنّ الشّعوب الرّاضخة تمرّدت ورفضت الطّاعة، وأنّ الإنسان المسلّم أموره تسليمًا كاملًا للّه وعي أمام عجزه لتأثير مثابرته وجهده الشّخصي على تحقيق مبتغياته.

وأكثر بعد، عرفت أنّها لم تعد صاحبة الحقّ الوحيدة، وأنّ معتقدات البشر أوسع من أن تحدّها بنهيها، وأنّ قيام الدّول استغنى عن مباركتها لحكّامها لصالح مباركة الشّعب.

وأضحى الشّعب مصدر السّلطات. وعاد الكتاب مصدر وحيٍ لجماعة المؤمنين. قاسوا عليه أنّ « ما من شجرة جيّدة تحمل ثمرًا رديئًا » (لو6⁄43) وما ينادي به الدّاعون إلى فصل الدّين عن الدّولة لا يتعارض مع قيم الحياة المسيحيّة. وانتبهوا إلى أنّ المسيح نفسه أعلن أنّ مملكته ليست من هذا العالم (يو 18/36) رفض التّمسّك الأعمى بالتّقاليد وممارسات التّرداد لا  أفعال الإيمان (متّى 15).

وتجلّى اعتراف الكنيسة الكاثوليكيّة بأهمّيّة العلمانيّة والعلمانيّين، « الأعضاء العاديّين من أعضاء الشّعب » في المجمع الفاتيكاني الثّاني سنة 1962 والّذي تقرّر فيه عيش ثمار الإنجيل مع من يرغبون وعدم فرض النّظرة المسيحانيّة على العالم.

وكأنّ نظرة الفاتيكان إلى الإنسان تغيّرت وغدا الأخير نتيجةً لا سببًا ؛ رأى فيه المسيح ، ابن الإنسان ذاته. ذاك الإنسان الّذي خلقه الله على صورته ومثاله ولم يطبع صورته إلّا فيه لا كقيصر ما دفع يسوع ليقول « أعطوا للقيصر ما هو للقيصر ولله ما هو لله »(مر 12/17). التّفسيرات تجمع على اعتبار الآية المذكورة أساس اشتراك نظامي الأرض والسّماء بتعاضدهما من دون تعارضهما.

الإيمان في الاعتبار هو الطّريق للخلاص، لكنّ بولس الرّسول يرسل إلى أهل كورنثوس أنّ « من أكل خبز الرّبّ و شرب كأسه بغير استحقاق تناول دينونة على نفسه » (اكو11/27) ما يجعل الإيمان-الغصب سبب إدانة في النّص ودافعًا للإلحاد في المنطق.

 الإيمان، ولو كان تصديقًا، فهو قناعة قبل كلّ شيء.

ومثال قناعة شكّل تجانسًا سليمًا بين المعتقدَين المثلّث الرّحمة البطريرك مار أنطونيوس بطرس خريش الكلّيّ الطّوبى، بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق الخامس والسّبعون للموارنة. خدمته أعطته مجد لبنان، وبادل لبنان بدعمه الصّلب للزّواج المدني فيه. كما رفض ترشيحه لرئاسة الجمهوريّة في زمن الحرب منعًا للمزج بين الخدمتين.

  كذلك القانون الدّولي الّذي رسّخ وآمَهُمَا وجعل من التّعدّي في أزمنة الحرب على دور العبادة جرائم حرب يعاقب عليها القانون الجنائي الدّولي (نظام المحكمة الجنائيّة الدّوليّة، المادّة 8، الفقرة ب-)ix.

وما سبق لا ينفي أنّ قضايا محدّدة تعتبر شائكة تقف عند مفترق طرق، بتّها ينتظر إمّا التّنسيق بين المسؤولين المعنيّين وإمّا تقبّل التّعارض والاختلاف والانصياع كقضيّة الاجهاض مثلًا.

إذًا، نستخلص ممّا تقدّم أنّ المفاهيم ثابتة ولكنّ التّعاليم المنبثقة منها متطوّرة تواكب العصر : العَلمانيّة ليست ضدّ الله بل ضدّ الإنسان المتألّه، المستغلّ لله. ومواجهة الايمان بالعَلمانيّة والعكس تستوجب توعيةً وتثقيفًا عاجلين شاملين.

والإنسان أصبح محور اهتمام الدّين. كيف لا وهو في الأساس هكذا؟ « كلّ ما فعلتموه لأحد إخوتي هؤلاء الصّغار فلي قد فعلتموه » يقول الرّبّ في إنجيل الدّينونة (متّى 25/40) ليركّز على أنّ علاقة المؤمن بخالقه تكون عبر الآخر فيسمح لفكر سطحي بسيط بالاعتقاد أنّ الله هو الغاية وخلقه الوسيلة.

حتّى إنّنا نغوص أكثر فنسأل إن كان لله حقٌّ في غياب حقوق الإنسان؟ فيأتي الجواب « عاملوا الآخرين مثلما تريدون أن يعاملوكم. هذه هي خلاصة الشّريعة وتعاليم الأنبياء » (متّى 7/12).

مارون فرحات

طالب سنة رابعة – حقوق

المراجع:

معجم الإيمان المسيحي، دار المشرق – بيروت

بطاركة من تاريخ لبنان، وثائقي

bkerki.org.lb

محاضرات السّيّدة ناتالي نويل بلانك

Publicités

Répondre

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l'aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s