ما كانت الحسناء ترفع سترها

كان أغلب قارئي هذه السطور لا يزالون على مقاعد المدارس عندما بدأ الحديث عن سلسلة الرتب و الرواتب. هي السلسلة الأشبه بقصة أبريق الزيت: تهدأ و لا تنتهي.

 ينص قانون العمل على إعطاء المعلّم درجة تزاد إلى راتبه كل سنتين. لكن بسبب الحرب اللبنانية و مخلّفاتها، تعذر ذلك لسنوات. في العام الدراسي 2011-2012،  بدأت مطالبة الأساذة بحقوقهم المسلوبة أو ما يعرف بتصحيح الأجور. ست سنوات من النضال المستمرّ، من المواجهات و الوقفات البطولية، من الإعتصامات و الإضرابات و لم يلوّح لهؤلاء ببصيص أمل واحد. مع صدور القانون 46 في الجريدة الرسمية بتاريخ 21 آب 2017 تغيّرت الأوجه و المعطيات، فالمطالبة أصبحت مقرونة بقانون صادر عن مجلس النواب. تنفّس يومها الأساتذة الصعداء، و اعتبروا أن حقوقهم أقرت و جاء  هذا الإقرار ليتوّج عمل السنوات الأخيرة. و هنا انكشفت النوايا … تبيّن بعد صدور القانون أن المعرقل الأوّل و الوحيد لنيل الحقوق هي إدارات المدراس. هذه الإدارات التي تبتسم للأساتذة ثم تطعنهم في صلب حقوقهم. و الأسوأ من كل ذلك أن الأغلبية الساحقة من الإدارات تضمّ كهنة، رهباناً و راهبات. بحسب المفهوم الصحيح لدور هؤلاء، من المفروض أن يتبعوا تعاليم معلّمهم الذي احتقر المال و أعطى لكل صاحب حقّ حقّه … لكن الجميع ترك السيّد و لحق بالتلميذ الخائن.

أذا أردنا قراءة الوضع من وجهة نظر الإدارات : « القانون غامض، ملتبس، متناقض و يستحيل تطبيقه كما ورد. مجلس الوزراء لم يصدر مراسيم ليفصّل العمل بالقانون 46. المفعول الرجعي لغلاء المعيشة المقرّ منذ 2012 و الدرجات الستّ الإستثنائية هي نقاط التباس، لذا فالمطالعة القانونيّة افضت إلى توقيف العمل بالقانون.

ما تبقّى من السلسلة إذاً : غلاء المعيشة الذي كان يدفع خارج الراتب يزاد إلى صلب الراتب.

لكن مهلاّ ! هل كل من طالع قانوناً و ادّعى بالتباسه على حقّ ؟ نقابة المعلمين طلبت من الوزير السابق المحامي زياد بارود الإطلاع على القانون و كان ردّه حاسماً: القانون واضح و تطبيقه معروف.

حسب  المادة الثالثة من قانون سلسلة الرّتب و الرّواتب: « تعتبر المبالغ المقبوضة كسلفة عن بدل غلاء معيشة للمستفيدين من هذه السّلسلة من تاريخ 1/2/2012 ولغاية نفاذ هذا القانون غير خاضعة لموجب الاسترداد. » بعد قراءة هذه المادّة، يتبيّن عدم الالتباس بما تدّعيه الإدارات بشأن المفعول الرجعي. عدا عن ذلك طالبت إدارات المدارس  باستشارة قانونيّة من وزارة العدل، و جاء ردّ رئيس هيئة التشريع و الإستشارات القاضي ماري دنيز المعوشي أن أساتذة التعليم الثانوي يستفيدون من الدرجات الستّ دون المغالطات المزعومة حسب القانون رقم 46/2011 بمادّته السابعة.

اذاً، أين الخلل ؟ يكمن الخلل في نفسيّات تلك الإدارات الذين تتعاطى الشأن العام بفوقية. يعتبرون أن الأجر الذين يدفعونه في نهاية كل شهر هو صدقة و ينسون أن الأساتذة يرهقون أيامهم في تعليم الأجيال أي في بناء الوطن. قيل « من علّمني حرفاً صرت له عبداً » أمّا اليوم في عصر الإنحطاط الذي نعيشه فتحاول الإدارات تقييد حرّية هذا المعلّم بحفنة من الدولارات هي أصلاّ حقٌ له. يكمن الخلل أيضا في النّفسيّة اللّبنانيّة التي تعتبر أن كلمة أجير الواردة في قانون العمل تحط من مرتبة العامل لكن، لغويّاً، هذه الكلمة مشتقّة من أجر التي تعني راتب فيكون الأجير من يتقاضى أجراً بدل أتعابه، خالية من أي تقييم للشخص. لست أدري إن كان كل ذلك ممنهجاً ضدّ الأساتذة لكن الأكيد هو أن ما يحصل يقضي على نهج الرسولي لهذه المهنة.

 أخيراً، أدعو كل فئات المجتمع للتكاتف حول الأساتذة لنيل حقوقهم فسلسلة الرتب و الرواتب هي حقّ مكتسب و حركة للعجلة الإقتصادية لأنها ترفع القيمة الشرائية للمستفيدين منها.

أما إلى مسؤولينا الأعزّاء فأعيد قول الشاعر خليل مطران : ما كانت الحسناء ترفع سترها  لو أن في هذي الجموع رجالا !

Karl Abou Mrad

Première année de droit

مراجع :

بنود سلسلة الرتب و الرواتب المقرّة في جلسة مجلس الوزراء في 19/07/2017

http://www.pcm.gov.lb/arabic/subpgoldJo.aspx?pageid=3836

المؤتمر الصحافي لنقيب المعلّمين رودولف عبّود و الوزير السابق زباد بارود في 27/11/2017

المطالعة القانونية لهيئة التشريع و الاستشارات رقم 1006/2017

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s